Take a fresh look at your lifestyle.

محمود محيي الدين يكتب: محمود العربي وتوطين التنمية

44

في مثل هذا الشهر منذ حوالي ربع قرن وتحديداً في شهر سبتمبر 1997 سعدت بصحبة الحاج محمود العربي ضمن وفد رسمي إلى فيتنام برئاسة الدكتور أحمد جويلي وزير التجارة والتموين في حكومة الدكتور كمال الجنزوري الأولى، رحمهم الله جميعاً. وقد كان وفداً كبيراً من ممثلي الوزارات والقطاعات المختلفة، وكان الحاج محمود العربي ممثلاً فيه لمجتمع الأعمال كرئيس لاتحاد الغرف التجارية، وشاركت فيه ممثلاً عن وزارة الاقتصاد.

تزامنت الزيارة التي جرى الترتيب لها لعدة شهور، مع أحداث فترة عصيبة مرت بها دول جنوب شرق آسيا وتجمع الآسيان الذي يضم فيتنام إذ كانت هذه الفترة تشهد أوج الأزمة المالية الآسيوية. بعد توقف سريع في مطار بانكوك الذي كانت تخيم عليه أجواء الأزمة استكملنا الرحلة للعاصمة هانوي.

وفي هذا التاريخ كان قد مر على فيتنام 10 سنوات فقط منذ بداية الإصلاحات الشاملة لتحديث اقتصادها، و كان عدد الفنادق فيها محدوداً ولم يكن هناك ما يكفي من الحجرات في الفندق الرئيسي، و كان علينا أن نتوزع بين هذا الفندق المتميز ونزل حكومي اتسم بالبساطة و النظافة، و إن بعد عن مقرات اللقاءات والاجتماعات. وبادر الحاج محمود العربي بأن يكون من ضيوف النزل ولكن جاء ذلك بالرفض من الكافة، وأذكر أنه كان حريصاً على أن يتناول الوجبات معنا في النزل مع باقي الوفد متجاذباً بود أطراف الحديث مستفسراً عن أهم ما جذب الاهتمام مما شهدناه خارج الإطار الرسمي للاجتماعات.

وقد كانت لي فرص في التعرف عن قرب بهذه الشخصية الفذة ذات الذكاء الحاد والفراسة الاستثنائية التي صقلتها تجارب الحياة منذ الطفولة الباكرة في ريف المنوفية ومراحل الشباب في حضر القاهرة وأسواقها العتيقة.

فمما أذكره في مهمة فيتنام فضلاً عن تواضع الحاج محمود وبساطته واستعداده الدائم للانخراط في الحديث ناقلاً للخبرة أو متسائلاً عما هو جديد، هي تعليقاته على الأزمة الآسيوية التي قلبت الأسواق رأساً على عقب وغيرت في نظم الإدارة الاقتصادية، بأن الأزمات تصقل المعادن وتخلصها من الشوائب الدخيلة ومن يصمد فيها يخرج أكثر وعياً وصلابة، كما أنها تأتي دائما بالجديد بعدها، ثم يسرد من محيطه العملي أمثلة دالة على ذلك.

واسترجعت ذكريات هذه الزيارة أثناء مهمة عمل في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2008 أثناء عملي وزيراً للاستثمار، وكانت الزيارة في أعقاب سقوط بنك ليمان براذرز والأزمة المالية العالمية في عنفوانها. ورغم أجواء الأزمة نجحت هذه الزيارة في تحقيق مرادها. ويكفي أنه قد ترتب عليها جذب أهم شركة تكنولوجية عملاقة في كوريا لتؤسس مصنع سامسونج في بني سويف، بعد مفاوضات مطولة وإجراءات تفصيلية نجحت في جذب هذا الكيان الاقتصادي العملاق إلى مصر. وأتذكر أنه أثناء حديثي مع قيادات الشركة في سول كانت حكمة الحاج محمود العربي حاضرة فلها ما يؤكدها في التاريخ الاقتصادي وتطوراته، فالأزمات إلى نهاية وإن طالت، ولا يجب التوقف عن العمل انتظاراً لنهايتها، فالجهد في العمل من معجلات الخروج منها.

والفائدة الثانية التي تكشفت في هذه الزيارة هي ما يجب أن يتحلى به رجل الصناعة والتجارة من شغف وإطلاع دائمين على ما هو جديد في العالم مع إدراك كامل لمعطيات بيئته المحلية. وقد كان في هذا الشأن حديث طريف بين أحد أعضاء الوفد من شباب الدبلوماسية المصرية العتيدة الملحق، حينئذ، تامر مصطفى والذي يشغل حاليا منصب سفير مصر في ليبيا، وأذكر أيضاً من الدبلوماسيين المشاركين السفير دسوقي فايد والسفير شريف عيسى، ، و الوزير المفوض التجاري أحمد شفيق. أما الحديث فكان بشأن هذا الكمبيوتر المحمول ماركة توشيبا والذي كان بصحبة السفير تامر، الذي كان متابعاً نهماً للمستحدثات للتكنولوجية، مباهياً بإمكانيات حاسبه الشخصي بمشغل ويندوز العجيب إصدار 1995، وقد كانت هذه نقلات تكنولوجية مدهشة حينها. وقد كان لهذا الجهاز تحديداً دور في إنجاز مهمتنا قد تأتي فرصة اخرى لذكرها. وكان السؤال للحاج محمود- شريك توشيبا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي- متى سيدخل هذا الكمبيوتر المحمول الأسواق المصرية فكان رد الحاج محمود-التاجر و الصانع الأريب- بأن “السوق المصرية لم تتهيأ بعد و لكننا نجهزها”، وما هو إلا عام ونيف يمر بعد هذه الزيارة و إعلانات توشيبا العربي تملأ الميادين بأن الكمبيوتر المحمول متاح في الأسواق المصرية.

والفائدة الثالثة في هذه الزيارة كانت في التعرف على ملكات الحاج محمود العربي في الاستشراف استعانة بفهمه للناس وطبائعهم وأحوال الاقتصاد والأسواق. وشاركنا في توقعاته بأن يكون للاقتصاد الفيتنامي شأن في المستقبل و أن راكبي الدراجات الهوائية “النشيطين و المبتسمين دائماً” سيملكون في يوم قريب سياراتهم الخاصة. وهو ما رأيته متحققاً في زياراتي المتعاقبة لهذا البلد المدهش في تسارع معدلات النمو التي انعكست على حياة الناس محققين التوقعات. فشوارع هانوي تنطلق فيها السيارات متسارعة شاغلة ما كانت تشغله الدراجات الهوائية، وبجوارها مركبات أخرى ودراجات أيضاً وتنوعت وتعددت فنادق استقبال السائحين ورجال الأعمال بين بنايات جميلة للسكنى ومرافق الإنتاج والعمل.

ظللت على اتصال وتواصل مع الحاج محمود العربي بعد هذه الزيارة التي رسخت في ذهني أبعاد شخصية هذا العصامي الريفي المكافح، الذي ارتبط اسمه مع أبناء جيلي بتجارته الأولي للأدوات المكتبية وإعلاناته في الإذاعة و التليفزيون تردد “العربي في الموسكي”، فتتطور بفعل المثابرة و الاجتهاد و بتوفيق الله إلى أربعة مراكز صناعية ضخمة في القليوبية و المنوفية و بني سويف، تضم عشرات الآلاف من العمال و المهندسين و الإداريين و الخبراء، يخرجون للأسواق المحلية و الدولية منتجات مصرية بمشاركات عالمية تحمل شعاراً مستحقاً “صناع الثقة”.

إن ما قام به الحاج محمود العربي هو تجسيد لما يقصده أهل الاختصاص والخبراء بالإسهام في توطين التنمية. فهذه المصانع و المتاجر التي تتوسط مراكز التجمع السكاني جاذبة أمهر الأيدي العاملة المصرية مع تطويع التكنولوجيا العالمية للاحتياجات المحلية والبناء عليها ابتكاراً وزيادة للقيمة المضافة فهي قلب التنمية المستدامة وتوطينها لتحقيق هدف من أهم أهدافها و هو التشغيل، الذي يعد الهدف الثامن من أهداف التنمية السبعة عشر، ومعه الهدف التاسع المعني بالتصنيع والابتكار، وهو في هذا كله محقق لأهداف ذات أولوية في التنمية متمثلة في مكافحة الفقر من خلال دخول لائقة للعاملين وإسهاماً مجتمعياً في البيئة المحيطة بهم بما يمكنهم من الارتقاء بتعليم أبنائهم وتوفير رعاية صحية جيدة لأسرهم.

لمن يريد التعرف بيسر على توطين التنمية فعليه أن يزور هذه المصانع المتداخلة بانسجام وتناغم مع نسيج دلتا مصر وصعيدها، ولعل زيارته تكون أثناء ساعة تغيير نوبات العمل بين خروج وردية من العاملات والعاملين ودخول أخرى حيث الورش وخطوط الإنتاج. وهو ما كنت أحظى به في زياراتي لبلدتي كفر شكر التي تقع مصانع بنها في الطريق إليها، أو في زيارات متعددة لمصانع قويسنا. والمناطق الاستثمارية، التي استحدثت بعد تعديل تشريعي، في بنها وميت غمر والصف كانت على غرار تجربة قويسنا، فكل منها أنشئ على مساحة في حدود 40 فداناً بالقرب من مراكز التجمع السكاني ساعية لأن يكون فيها مصانع على غرار ما قام به العربي و المستثمرون الرواد. وتنتشر حولهم مصانع وشركات متوسطة وصغيرة الحجم تتنافس وتتكامل في أساليب عملها، وتحاكي الثقافة الصناعية وقيمها وآدابها وتقتبس من روادها ما يعينها على التطوير والانتشار في الأسواق المحلية وغزو مجالات التصدير بمنتجات راقية بأسعار تنافسية.

وفرصة مصر الكبرى كامنة وواعدة فيما شرعت فيه الدولة بالقيام بأهم مشروع تنموي تشهده البلاد على الإطلاق من خلال مبادرة “حياة كريمة” فتتوسع بها شرايين الاقتصاد اعتماداً على الارتقاء بالخدمات الرئيسية المقدمة لأهل القرى وتطوير البنيات الأساسية ومرافق المياه و الصرف الصحي والطرق الداخلية لقرى الصعيد والدلتا، فضلاً عن تطوير وإنشاء وحدات صحية وعلاجية ومدارس وما هو أهم في الارتقاء بنوعية الخدمة المقدمة وتدعيم مراكز الشباب وقصور الثقافة. و في القلب من هذا كله تنمو تجمعات صناعية وتجارية وخدمية منظمة تتوزع على مراكز المحافظات جاذبة الأيدي العاملة وفاتحة مجالات كسب دخول لائقة للمقبلات والمقبلين على سوق العمل. ومع هذه التدفقات الكبرى نتطلع لأن يكون في زمام كل مركز من مراكز الجمهورية، التي تربو على 440 مركزاً وحياً، قطباً انتاجياً من أقطاب الصناعة والتجارة مثلما فعل العربي في قويسنا وبنها وقليوب و كوم أبو راضي. فبمثل هذه التجمعات الإنتاجية المتجانسة التي ترتبط عالمياً من خلال شبكات الرقمنة والتصدير وجذب الاستثمارات تتحقق الوثبات الكبرى المأمولة للاقتصاد والتنمية.

ما كان من سيرة الحاج محمود العربي هي مسيرة كفاح وإيمان بتوفيق الله للمجتهد المثابر، تفتحت بها أبواب الرزق لمن حسبهم عن حق شركاء في العمل والنجاح. هي مسيرة بناء وإنتاج وتوطين لم تحفل بصفقات محدودة ولقطات موقوتة. مسيرة جعلت المسئولية الاجتماعية في قلب منظومة العمل وليس مجرد إدارة مهمشة تستدعى في مناسبات معينة.

رحم الله الحاج محمود العربي وجعل من دروس حياته وأعمال مؤسساته ما يفيد عموم الناس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.