في ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، وتعقيدات المشهد المحلي، يتجدد السؤال الذي يؤرق الشارع المصري والمستثمرين على حد سواء: هل يصمد الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي؟ سؤال يزداد إلحاحًا مع كل تقلب جديد في سعر الصرف، ومع كل شائعة عن تعويم جديد أو تغير في السياسات النقدية.

خلفية الأزمة

منذ عام 2016، عندما قرر البنك المركزي المصري تعويم الجنيه، بدأت رحلة طويلة من التغيرات المتسارعة في سعر العملة المحلية. وعلى مدار الأعوام الماضية، تأثر الجنيه بعوامل داخلية كالعجز في الميزان التجاري، وتراجع الاحتياطي النقدي، وتباطؤ قطاعي السياحة والتصدير، إضافة إلى الضغوط الخارجية مثل أزمة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، ثم التحديات التي فرضتها موجة التضخم العالمية وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية.

الوضع الحالي

شهد الجنيه المصري خلال الأشهر الأخيرة استقرارًا نسبيًا في السوق الرسمي، حيث ظل يتراوح حول حاجز 47-50 جنيهًا للدولار، وفقًا لآخر تحديثات البنك المركزي، بعد موجة انخفاض حادة في الربع الأول من عام 2024. لكن هذا "الاستقرار" يُنظر إليه من قِبل خبراء بأنه مصطنع ومرتبط بتدخلات البنك المركزي، وصفقات تمويلية مؤقتة مثل الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، والدعم الخليجي.

عوامل الضغط على الجنيه

الطلب المتزايد على الدولار: مع عودة النشاط الاستيرادي وازدياد فاتورة الواردات الغذائية والدوائية، عاد الضغط على العملة الأجنبية في السوق.

سوق موازية نشطة: وجود سوق سوداء يُتداول فيها الدولار بأسعار تفوق السوق الرسمي بعِدة جنيهات يعكس وجود فجوة بين السعر الحقيقي والمعلن.

انخفاض تحويلات المصريين بالخارج، التي كانت تمثل مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي، بسبب ارتفاع الدولار في بلاد المهجر وتفضيل البعض التحويل عبر قنوات غير رسمية.

هل هناك مؤشرات إيجابية؟

رغم قتامة الصورة، إلا أن هناك بعض التطورات الإيجابية:

ارتفاع إيرادات قناة السويس وعودة حركة السياحة تدريجيًا.

توسع في الاستثمارات الإماراتية والسعودية في البنية التحتية والطاقة.

اتفاقيات تمويل دولية جديدة قد تعزز من الاحتياطي الأجنبي مؤقتًا.

لكن تظل هذه العوامل قصيرة الأجل، ولا تكفي وحدها لضمان استقرار الجنيه إذا لم تُصحَب بإصلاحات هيكلية حقيقية في الإنتاج والتصدير والصناعة.

التوقعات والتحليلات

يتوقع بعض المحللين أن الجنيه قد يشهد تراجعًا إضافيًا في النصف الثاني من 2025 إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية، مثل تقليل الاعتماد على الاستيراد، وزيادة الصادرات، وتشجيع الإنتاج المحلي.

بينما يرى آخرون أن استمرار التعاون مع المؤسسات الدولية، وتنفيذ برنامج الخصخصة وطرح أصول الدولة سيساهم في تخفيف الضغط، شريطة ألا تتحول تلك الحلول إلى مسكنات مؤقتة بدلاً من حلول استراتيجية.

خلاصة القول

هل يصمد الجنيه أمام الدولار؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها متوقفة على الإرادة السياسية، والقدرة على تنفيذ الإصلاح الاقتصادي الحقيقي، وطمأنة المستثمرين. فبدون إصلاح هيكلي شامل، سيظل الجنيه عرضة للعواصف الاقتصادية، وسيفقد المواطن ثقته في استقرار الأسعار.