في زمنٍ كانت فيه الأسئلة تُطرَح قبل أن تُساق الإجابات، ظهر رجلٌ اختار أن يمشي بين العقل والقلب، بين الشك واليقين، بين العلم والإيمان... هو الدكتور مصطفى محمود، الطبيب الذي ترك مشرط التشريح ليمسك بقلم الفكر، فصار منارةً فكرية نادرة، ورمزًا للباحثين عن الحقيقة في زمن الحيرة.
رحلته لم تكن سهلة، بل كانت ملأى بالتقلبات، لكنه اختار أن يُدوّنها ويشاركها، فخلّد اسمه بين كبار المفكرين في العالم العربي.

الميلاد والبدايات

ولد الدكتور مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1921 بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، وكان ينتمي لأسرة متوسطة الحال. منذ صغره، أظهر نبوغًا واضحًا في الدراسة، وميولًا نحو التأمل والقراءة والانطواء، فكان يقضي ساعات طويلة في مكتبة والده.


 دراسة الطب ومهنة التشريح

التحق بكلية الطب بجامعة القاهرة، وتخرج طبيبًا متخصصًا في الأمراض الصدرية. لكنه لم يستمر طويلًا في ممارسة الطب، حيث دفعه شغفه بالفكر والفلسفة والعلم إلى ترك مهنته والانصراف للبحث والكتابة.

وقد ذكر لاحقًا أنه تأثر كثيرًا بسنوات التشريح، حيث رأى "الإنسان من الداخل"، ما زرع في قلبه أسئلة وجودية كثيرة عن الروح والخالق والمصير.


 من الإلحاد إلى الإيمان

في شبابه، انغمس الدكتور مصطفى محمود في الشك الفكري، وانقطع لأكثر من 30 عامًا للبحث عن الحقيقة، متنقلًا بين الفيزياء والفلسفة والأديان. كانت رحلته الفكرية صاخبة، وانتهت بكتابٍ شهير حمل عنوان "رحلتي من الشك إلى الإيمان"، لاقى رواجًا كبيرًا وكان محطة فاصلة في حياته.


 إنتاجه الفكري والإعلامي

ألّف الدكتور مصطفى محمود أكثر من 89 كتابًا، تنوّعت موضوعاتها بين الدين، والفلسفة، والعلوم، والخيال العلمي.
من أبرز أعماله:

القرآن: محاولة لفهم عصري

لغز الحياة

العنكبوت

التفكير فريضة إسلامية

المسيح الدجال

أما برنامجه الأشهر، "العلم والإيمان"، فقد شكّل نقطة تحول في الإعلام العربي، إذ قدّم فيه العلم بأسلوب مبسط، وربطه بالإيمان بالله، وحقق شهرة واسعة استمرت لسنوات طويلة.


 العمل الخيري.. مستشفى مصطفى محمود

أسس الدكتور مصطفى محمود جمعية خيرية تحمل اسمه، تضم:

مسجدًا

مستشفى خيريًا

مركزًا طبيًا

متحفًا علميًا
وكان هدفه خدمة الفقراء وعلاج غير القادرين، وهو مشروع ما زال قائمًا حتى اليوم في حي المهندسين بالقاهرة.


 الوفاة

توفي الدكتور مصطفى محمود في 31 أكتوبر 2009 عن عمر ناهز 87 عامًا، بعد رحلة حافلة بالعلم والشك والبحث والإيمان والخدمة المجتمعية، تاركًا خلفه إرثًا ثقافيًا وإنسانيًا ما زال يُلهم الكثيرين.


 خلاصة الرحلة

الدكتور مصطفى محمود لم يكن مجرد طبيب أو كاتب، بل كان رحالة فكريًا بين العقل والروح. هو صوت من زمن كانت فيه الأسئلة الكبرى تُطرح على المقاهي والمنازل، لا على محركات البحث. وربما يبقى سؤاله الأشهر – "من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟" – مفتوحًا ليجيب عليه كل إنسان بلغ وعيه.