في عالم يموج بالصراعات والاختلافات، تظل المعرفة الصادقة جسرًا نحو الفهم والتقارب بين البشر. ومن بين الطوائف الإسلامية التي يكثر حولها الجدل والخلط، تأتي الطائفة الشيعية، التي يعود تاريخها إلى بدايات الإسلام. هذا التقرير لا يخوض في السياسة، ولا يثير الفرقة، بل يهدف ببساطة إلى تقديم صورة واضحة، مبنية على العلم والتاريخ، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.


من هم الشيعة؟

كلمة "شيعة" تعني لغويًا: "الأتباع" أو "الأنصار". وعند الحديث عنهم دينيًا، فإنهم هم:

"الذين ناصروا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآل بيت النبي ﷺ، واعتقدوا أن الخلافة يجب أن تكون في نسله من بعده."

نشأت التسمية مبكرًا بعد وفاة النبي ﷺ، لكن التبلور المذهبي الحقيقي بدأ في القرن الأول الهجري، وازداد وضوحًا مع مرور الزمن، خاصة بعد واقعة كربلاء في عام 61 هـ، والتي شكلت جرحًا عميقًا في الذاكرة الشيعية.


كيف تطوّر المذهب الشيعي؟

العصر الأول (القرن الأول والثاني الهجري):
كان الشيعة في بدايتهم مجموعة سياسية – فكرية تؤيد أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة.

العصر العباسي:
شهدت الفترة ازدياد التدوين الفكري والعقدي لدى الشيعة، وتطورت عقيدتهم لتصبح مذهبًا دينيًا متمايزًا، خصوصًا مع ظهور الاثني عشرية.

تشكّل المدارس الشيعية الكبرى:

الشيعة الإثنا عشرية (الجعفرية): وهي الطائفة الكبرى، وتنتشر أساسًا في إيران والعراق ولبنان.

الزيدية: موجودة في اليمن، وتُعد أقرب أهل السنة في مسائل كثيرة.

الإسماعيلية: أقل عددًا، وتميل إلى التأويل الباطني في بعض أفكارها.


ما أبرز ما يميّز الشيعة عن أهل السنة؟

رغم أن الطرفين يشتركان في:

الإيمان بالله ونبيه والقرآن.

الصلاة والصيام والحج.

إلا أن الخلافات تدور حول بعض القضايا، منها:

المسألةالسنةالشيعة الإثنا عشرية
الإمامةخلافة بالشورىإمامة منصوصة لعلي وأبنائه من فاطمة
الصحابةإجلال عاماحترام مشروط ببعض المواقف
العقيدةأقرب لأهل الحديثتُركّز على دور الإمام كمرشد ديني
الفقهمذاهب 4فقه جعفري (عن الإمام جعفر الصادق)

 

ملحوظة: هذه الفروقات لا تمنع التعايش ولا الاحترام، بل تستدعي المعرفة لا القطيعة.


أماكن وجود الشيعة في العالم اليوم

إيران: الغالبية العظمى.

العراق: نسبة كبيرة، خصوصًا في الجنوب والنجف وكربلاء.

لبنان: خاصة في الجنوب والبقاع.

اليمن: الزيدية في صعدة والمناطق الجبلية.

دول الخليج (البحرين، السعودية، الكويت): أقليات معتبرة.


مساهماتهم في الحضارة الإسلامية

رغم الخلافات المذهبية، إلا أن الشيعة كان لهم دور كبير في بناء الحضارة الإسلامية:

علماء مثل:

الشريف الرضي (جامع نهج البلاغة)

الشيخ الطوسي (من كبار فقهاء الشيعة)

نصير الدين الطوسي (فيلسوف وفلكي)

المدارس العلمية التي أسسها الشيعة ساهمت في نشر علوم اللغة، التفسير، والمنطق.


هل هناك دعوة للتقارب؟

نعم. هناك جهود حقيقية من الطرفين لردم الفجوة وبناء فهم متبادل:

الأزهر الشريف أفتى قديمًا بجواز التعبد على المذهب الجعفري.

مؤتمرات التقريب بين المذاهب قائمة في أكثر من دولة.

العلماء المعتدلون من السنة والشيعة ينادون بالتعايش والاحترام.


خاتمة

الاختلاف سنة كونية، والمذاهب لا تُلغي جوهر الإسلام المشترك بين الجميع. والشيعة، رغم بعض الفروقات العقائدية، هم جزء من الأمة الإسلامية، يحملون تاريخًا، وعلمًا، وثقافة لا يمكن إنكارها.

"وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون" – [سورة المؤمنون: 52]