في مشهد إقليمي شديد التعقيد، تبدو كل الأطراف الكبرى قد حصلت على ما تريده. فبعد سلسلة من الضربات المتبادلة بين أمريكا، وإسرائيل، وإيران، يمكن القول إن الجميع – بشكل أو بآخر – خرج بما يُرضي غروره، ويُبرر لشعبه المواقف التي اتخذها.
الولايات المتحدة أظهرت حضورها العسكري عبر استهداف مواقع إيرانية مرتبطة بالمشاريع النووية، حتى وإن كانت هذه المواقع فارغة أو محدودة الأهمية، لكنها رسائل مدروسة في توقيتها ومغزاها، تؤكد أن واشنطن ما زالت قادرة على الرد، وتملك زمام المبادرة. في الجهة الأخرى، نفّذ الكيان الصهيوني هجمات دقيقة داخل العمق الإيراني، مستهدفًا منشآت حساسة وقيادات رفيعة، مما يمنحه نقاطًا سياسية وعسكرية في ميزان صراعه الطويل مع طهران.
أما إيران، فقد ردّت بشكل غير مسبوق، وقصفت لأول مرة الكيان الصهيوني بشكل مباشر، ونجحت في توصيل صواريخها إلى عمق "العدو"، في مشهد مهيب يحسب لها على مستوى الداخل الإيراني والداعمين لها في المنطقة. كما استهدفت بدورها قواعد أمريكية، وإن كانت الأضرار محدودة، إلا أن الرسالة وصلت: إيران لاعب لا يمكن تجاهله.
هكذا، يبدو أن كل طرف خرج بصورة انتصار، ولو كانت رمزية. انتصار يمنحه مبررًا للتراجع خطوة، ولتبني دعوات التهدئة، دون أن يشعر بالهزيمة. فالحرب مكلفة، والتصعيد الشامل ليس في مصلحة أحد، لا اقتصاديًا ولا استراتيجيًا.
غزة خارج الحسابات
لكن وسط كل هذا المشهد، هناك طرف واحد لم تُذكر مأساته: قطاع غزة. الحرب التي أشعلتها المعادلات الإقليمية لم تكن من أجله، ولن تنتهي لأجله. منذ شهور والقطاع تحت نيران لا ترحم، يواجه القصف والجوع والتشريد والإبادة، دون أن تلتفت إليه تلك الأطراف التي تتصارع وتتفاهم وتُظهر عضلاتها.
فغزة اليوم باتت تعاني وحدها. فلا ضربات إيران أوقفت العدوان عليها، ولا ضجيج إسرائيل وأمريكا أعطى لغزة حق الحياة. على العكس، ما زال المشروع الصهيوني في القطاع يسير بخطى ثابتة نحو الإبادة والتهجير، في ظل صمت عالمي قاتل.
ومما لاشك فيه أن إيران كانت أمام فرصة تاريخية كانت ستُشكّل بداية عهد جديد مع الشعوب العربية والإسلامية، بأن تجعل وقف العدوان على غزة شرطًا أساسيًا في أي اتفاق تهدئة مع الكيان الصهيوني، وربما لو فعلت ذلك، لغيّرت وجه المعادلة، وكسرت حاجز الشك العميق تجاه نواياها في العالم العربي، وأثبتت أنها لا تتاجر بالقضية الفلسطينية، بل تحملها في قلب معاركها السياسية والعسكرية.
لكن في الواقع، يبدو أن إيران لن تفعل ذلك؛ فهي لم تدخل هذه الحرب من أجل غزة، بل دفاعًا عن مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي. كما أنها تدرك جيدًا أن هذا الشرط – ربط التهدئة بوقف العدوان على غزة – سيكون مرفوضًا تمامًا من قبل الكيان، وسيفتح جبهة سياسية معقدة قد تعرقل فرص التهدئة التي تبحث عنها، خاصة بعد أن بدأت كلفة الحرب تثقل كاهلها.
وأخيرا بعد أن نال كل طرف ما يكفي ليعلن "نصره"، لا رجاء لأهل غزة إلا في الله عز وجل،ـ ولم يبق للفلسطينين إلا أن يتضرعوا إلى رب السماء والأرض، فهو وحده القادر على إنقاذ هذا الشعب المكلوم، ورفع البلاء عنه، وكسر آلة القتل التي لا تفرّق بين طفل ومقاوم، ولا بين مستشفى ومخيم.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق