في الآونة الأخيرة، تداولت بعض المواقع الإخبارية قرارات إدارية صادرة عن وزارة الأوقاف، تتضمن نقل عدد من الأئمة إلى محافظات حدودية، من بينها محافظة الوادي الجديد، وذلك كإجراء تأديبي بحق من خالفوا تعليمات الوزارة. وبعيدًا عن جوهر هذه القرارات – التي نحترم خصوصيتها – يبقى لزامًا علينا أن نتوقف أمام دلالة هذا التناول الإداري، والذي قد يُفهَم منه، ضمنًا أو صراحة، أن "النقل إلى الوادي الجديد" يُعتبر عقوبة رادعة في حد ذاته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل أصبحت بعض المحافظات – ومنها الوادي الجديد – توصف إداريًا بأنها "منفى وظيفي"؟
وهل يُعقل أن يكون موقع جغرافي كامل، بكل تاريخه ومقدراته وطاقاته، أداة للردع التأديبي بدلًا من أن يكون منصة للبناء الوطني والإدماج التنموي؟
محافظة الوادي الجديد ليست هامشًا إداريًا ولا سطرًا أخيرًا في قائمة التوزيع الجغرافي للكوادر.
بل هي – كما ينبغي أن تكون – رئة الوطن الصحراوية، وخط الدفاع الاستراتيجي الغربي، ومخزن الفرص المستقبلية في الزراعة والطاقة والتعدين والتنمية العمرانية.
وقد لاحظنا – في بعض الخطابات الإعلامية أو التعليقات على قرارات النقل – أن اسم الوادي الجديد بات يُذكر بوصفه "عقوبة إدارية"، وهي نظرة تختزل المحافظة ومواطنيها في صورة غير لائقة، وتتجاهل الجهود التنموية المبذولة فيها، والفرص الحقيقية التي تتيحها.
إن الأوطان لا تُبنى من العواصم فقط، والكوادر التي تُنقل إلى المحافظات الحدودية لا تُعاقب، بل تُكلف بمسؤولية أشرف وأعمق: أن تكون جزءًا من إعادة تشكيل الجغرافيا التنموية لمصر.
الوادي الجديد يجب أن تكون عنوانًا لثقة الدولة في قدرتها على توزيع التنمية بعدالة، ولرؤية الجمهورية الجديدة التي لا تهمّش الأطراف، بل تجعل منها نقطة الانطلاق. وهي لا تليق أن تكون "عقوبة"، بل هي واجب وطني وتكليف تنموي لكل من يُنقل إليها.
إن عقلية العقاب بالموقع الجغرافي، إن استمرت، فهي خطر على فلسفة توزيع الكفاءات. وهي تكرّس نظرة مركزية لم يعد لها مكان في مشروع الدولة الحديثة، الذي يقوم على تحقيق التكامل بين المركز والأطراف، وتوزيع العقول لا تجميعها في العاصمة فقط.
وختامًا،
ندعو السادة المسؤولين إلى إعادة النظر في دلالة هذه الرسائل الإدارية غير المباشرة، والعمل على تعزيز ثقافة الانتماء لكل شبر في أرض مصر، وبناء حوافز للانتقال إلى المحافظات الحدودية، باعتبارها محاور تنمية لا مواقع عقوبة.
فالوادي الجديد… ليست منفىً، بل هي الوعد القادم في خريطة المستقبل.
بقلم/ د. مصطفى السنوسي .. عضو أمانة التنظيم المركزية – حزب الجبهة الوطنية .. وعضو هيئة التدريس بكلية الحقوق
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق