لا تزال العملية التعليمية في الوطن العربي أسيرة إشكاليات متشعبة عدة تفرض عليها الجمود والتيبس عن مواكبة التطورات العلمية والإيقاع السريع للنمو المعرفي عالميًا. وليس بمنكر أن قطاع التعليم والتعلم لدينا يواجه تحديات شائكة تعيق مسيرته عن تحقيق أهدافه السامية، وتحد من قدرة الأجيال الصاعدة على المنافسة في عالم متسارع التغير متنامي المعرفة أُسِّيًا، وتؤثر سلبًا على جودة المخرجات التعليمية ومتطلبات العصر الآني. وهذه التحديات ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واهنة وسياسات تعليمية عقيمة لم تواكب التطورات العالمية المتسارعة؛ مما آل في نهاية المطاف إلى قصور واضح للعيان في العملية التعليمية قاطبة، وانعكس سلبًا على كافة جوانب الحياة المختلفة في المجتمعات العربية.
اتباع نظام التعليم التقليدي
إن التمسك بنظام التعليم التقليدي في المجتمعات العربية، من كبرى المعوقات التي أناخت بكلكلها على المنهجية التعليمية لدينا. ففي معظم الدول العربية لا تزال المناهج التعليمية دائرة في فلك الحفظ والتلقين؛ مما أسفر عن ضمور المساعي المعرفية وتجمد المؤسسات التعليمية العربية في قالب واحد بعدم انتهاج رؤى جديدة واتباع حيثيات وأساليب تعليمية حديثة والاكتفاء فقط بالطرق التقليدية البكماء التي باتت لا تصلح إلا لرجل الكهف. ومن هنا توقفت أهداف التعليم والتعلم لدينا عند حدود الامتحان وتحصيل أكبر قدر ممكن من الدرجات؛ فتلاشت قدرات الطلاب على الإبداع والتفكير النقدي... وصار أكبر همهم ــــ للأسف ــــ متمحورًا حول المذاكرة للامتحان وتحقيق النجاح والركض وراء الشهادات، لا من أجل إعلاء قيمة العلم. وأضحى المنطق الجاف في مجتمعاتنا: "ذاكر لتنجح" لا "ذاكر لتعرف" أو تفهم أو تتعلم... وأصبح الحصيف والحاذق من طلاب هذه الأيام هو من يحفظ بنهم ويحقق أعلى الدرجات، وعلى إثر ذلك ضاعت القيمة السامية للتعليم والتعلم، بل وتلاشت تلاشيًا تامًا وتلاشت معها معالم الإبداع.
وليس بعجيب أن نجد عددًا كبيرًا من المختصين والبيروقراطيين والأكاديميين والتكنوقراطيين ونحوهم ممن هم غير مؤهلين كفاية لشغل وظائفهم وغيرهم على هذه الشاكلة، الأمر الذي أغرق تقدمنا في أوحال التردي وجعلنا على شفير الهاوية. وليست مجتمعاتنا وحدها من تعاني من مثل هذه التوترات فلقد عانت المجتمعات الغربية أسوأ بكثير، خصوصًا أميريكا التي كان التعليم فيها أسوأ من التربية، بالذات في الفترة الواقعة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان الطلاب الأميريكيون مهووسين بالمقاهي والملاعب والملاهي الليلية... أكثر من اهتمامهم بالكتب والمجلدات والمحاضرات والمدرجات... فيأكلون أكثر مما يقرأون ويلهون أكثر مما يذاكرون، هذا إن كانوا يذاكرون من الأساس. والأسوأ من كل هذا هو غياب دور الآباء في متابعة تقدم أولادهم في الدراسة والتعلم، وتقديم الدعم النفسي لهم، وترك شأنهم للمربيات والمعلمين. في حين كانت حال المعلم يرثى لها، من تدني المكانة الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في غياب الحوافز وتدني الرواتب وغيرها من عوامل انعكست سلبًا على أدائه، علاوة على وجود معلمين غير مؤهلين كفاية لسد الفجوة. وقد عانت أميريكا في هذا الصدد طويلًا إلى أن اتجهت إلى تعديل المناهج والبرامج التعليمية وسد الفجوات وإصلاح حال المعلمين... للحاق بالدول المتقدمة كألمانيا واليابان، ورغم التقدم الملحوظ الذي شهدته مؤخرًا إلا أنها لا تزال تواجه معضلات شبيهة كل عام، على عكس الصورة المثالية التي يصورها لنا إعلامها.
غياب الدعم النفسي والأكاديمي للطلاب
يُعد غياب الدعم النفسي والأكاديمي للطلاب جانبًا سلبيًا آخر من جوانب قصور التعليم والتعلم في المجتمعات العربية؛ إذ يعاني معظم الطلاب من فقدان الشغف والملل المستمر، وإن كانت مستوياتهم الدراسية عالية، نظرًا للتحديات والضغوطات النفسية والمقالق والتوترات الأكاديمية الناجمة عن الدراسة وضعف المشاركة الأسرية في تقديم الدعم الكافي لهم لاكتشاف ذواتهم وتحقيق أهدافهم... هذا إن لم يكن بسبب جمود المناهج التعليمية وعدم ارتباطها بواقعهم المعاش. الأمر الذي يحتم عليهم الهروب من الواقع المعرفي الشائك إلى الواقع الرقمي والمنصات الرقمية التي تبعث على اللهو والبلادة؛ فتكون النتيجة: خروج أجيال واهنة تعاني من هشاشة نفسية وقصور معرفي بحت وضعف عن التقدم في شتى مناحي الحياة.
إن الطالب دائمًا واقع في مشكلة ما ـــــ بغض النظر عن مستواه الدراسي ـــــ وبحاجة ماسة إلى الدعم والمساعدة المستمرة من جانب المعلمين والآباء على حد سواء؛ لاكتشاف ميوله وملكاته الإبداعية التي تقوده إلى تحقيق ذاته وأهدافه في الحياة. حيث تؤكد الدراسات في هذا الصدد أن الدعم النفسي والأكاديمي للطلاب هو الأساس الجوهري لنجاحهم وتفوقهم؛ إذ كلما شعر الطالب بالأمان كلما صار أكثر قدرة على مواجهة التحديات الحياتية والأكاديمية بثقة عالية وتكيف مع مقتضيات الواقع المعرفي والواقع المعاش، فضلًا عن بناء علاقات إيجابية مع زملائه ومعلميه. وعلى النقيض من ذلك فإن العديد من المؤسسات التعليمية في الوطن العربي لا تزال تفتقر إلى البرامج والكوادر المتخصصة لتقديم هذا النوع من الدعم بشكل فعال مما يجعل مهارات الطلاب وملكاتهم الإبداعية تضيع هباء. في حين أن الدعم النفسي والأكاديمي في معظم الدول المتقدمة هو جزء لا يتجزأ من الهوية التعليمية والتعلمية برمتها، حيث تقوم تلك الدول التي لها حظوة الصدارة بتزويد المؤسسات التعليمية بممثلي دعم أكاديمي واختصاصيين نفسيين لدعم الطلاب باستمرار وتقديم يد العون لهم حتى يتسنى لهم تذليل الصعاب وتطوير مهاراتهم وكشف النقاب عن ملكاتهم الإبداعية وكذا التطرق إلى المسارات المهنية.
نقص التدريب والتعلم الذاتي
لاشك أن نقص التدريب في المؤسسات التعليمية العربية غائلة تحيق بالدعامة الأساسية للعملية التعليمية (المعلمين) واللبنات البنائية (الطلاب)؛ مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم والتعلم والتحصيل المعرفي للطلاب وهلم جرًا. فبينما يفتقر المعلمون إلى التدريب المهني الفعال الذي يمكنهم من تطوير المهارات اللازمة والتكيف مع احتياجات الطلاب المختلفة، يجد الطالب نفسه أمام واقع معرفي لا يفهمه ولا يلبي احتياجاته بصورة كافية ولا حتى يتيح له الفرصة للإبداع والابتكار والتفكير النقدي...؛ فيتضاءل تحصيله المعرفي تدريجيًا ويزول بريق التعليم والتعلم في نظره.
وثالثة الأثافي أن مؤسساتنا التعليمية لا تقيم وزنًا للتعلم الذاتي أو ما قد نسميه التدرب الذاتي، سيان للطلاب أو المعلمين بالرغم من أهميته الكبرى؛ إذ يساعد على تنمية المعرفة الذاتية وتطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي، فضلًا عن التكيف مع التغيرات والاستعاضة عن ضعف التدريب. ففي اليابان ـــــ على سبيل ـــــ تعتمد المنهجية التعليمية على عمل الأبحاث والمشاريع والتعلم القائم على حل المشكلات والتركيز على تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي؛ مما يضمن جاهزية المعلمين بأحدث الأدوات والمهارات اللازمة وقدرة الطلاب على التعلم والتكيف مع التغيرات المستقبلية. ولقد أدركت الأنظمة التعليمية الرائدة عالميًا أهمية التدريب الدائب للمعلمين والطلاب كجزء من المسيرة التعليمية والتعلمية؛ فأخذت بأعطاف البرامج التدريبية والتقنيات عالية الجودة وكثفت جُل جهودها لتجوير المهارات التربوية، وتبني أساليب تدريبية مبتكرة، تحث الطلاب على التعلم النشط والبحث والتجريب وتطوير مهارات التعلم الذاتي.
تضاؤل البنية التحتية
يشكل تضاؤل البنية التحتية تحديًا أمام تطور آليات التعليم والتعلم بالمجتمعات العربية. فعدم توافر مؤسسات تعليمية ومرافق معرفية كافية من مدارس وجامعات وأكاديميات ومعاهد ومكتبات ونحوها، يعد عائقًا كبيرًا أمام توفير فرص تعليمية وتعلمية متكافئة الفرص لجميع الطلاب على حد سواء. ففي العديد من المناطق تعاني المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى اكتظاظًا وتكدسًا شديدًا، ونقصًا في الأدوات والتجهيزات اللازمة؛ مما يؤثر سلبًا على البيئة التعليمية ويحد من كفاءة العملية التعليمية.
وفي أرجح الظن أن قلة الإنفاق المعرفي وضعف التمويل المخصص للتعليم هو السبب البين وراء هذه المعضلة؛ إذ إن قلة الإنفاق على الموارد التعليمية والتعلمية في ظل التزايد السكاني والتطورات المتسارعة سيؤول بنا في النهاية إلى وجود منشآت تعليمية واهية بلا موارد أساسية كالمكتبات والمختبرات والكتب والمعامل والمرافق اللازمة الأخرى، واكتظاظ الفصول والمدرجات الدراسية بعدد لا حصر له من الطلاب، علاوة على تثبط الجهود لبناء مرافق تعليمية جديدة أو حتى إصلاح المتداعية منها. وإن أسبق الدول في هذا المضمار هي كوريا الشمالية؛ إذ عملت حكومتها على إنشاء مدارس ومرافق تعليمية جديدة مجهزة بأحدث التقنيات والموارد الأساسية اللازمة، فضلًا عن توفير مكتبات ومرافق معرفية غنية بالمراجع والمصادر اللازمة للبحث العلمي والدراسات المختلفة مما وفر بيئات تعليمية وتعلمية خصبة تحفز على التفكير والإبداع.
نحو مستقبل أفضل
ختامًا، إن إصلاح عمليتي التعليم والتعلم في الوطن العربي ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لبناء مستقبل مشرق. ويستوجب ذلك إرادة سياسية صلبة وإنفاقًا كبيرًا وتبني رؤى تعليمية وتعلمية حديثة تستلهم أفضل الممارسات العالمية الناجعة، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمنطقة. فبناء جيل متعلم ومبدع ومفكر هو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن للأمة العربية مكانتها الرفيعة بين الأمم.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق