كنت في السادسة عشرة من عمري حين اهتزّ العالم بسقوط بغداد عام 2003. مشهد الدبابات الأمريكية وهي تجوب شوارع العاصمة العراقية لم يكن فقط نهاية مرحلة سياسية، بل كان نهاية مرحلة في حياتي.
لم يكن في قلبي يومًا ولعٌ بالسياسة أو دهاليزها، لكنني وجدت نفسي مشدوهًا أمام شخصية واحدة كانت تمثل الأمل والكبرياء في وجه العاصفة: وزير الإعلام العراقي، محمد سعيد الصحاف.
كنت أترقّب بياناته كما يترقّب العاشق رسائل محبوبه. كل كلمة كان ينطق بها، كانت وقودًا يشعل الحماسة بداخلي. صوته الواثق رغم اقتراب الخطر، لغته المتحدية رغم حصار الواقع، جعلتني أفتن بعالم الإعلام والصحافة، وأشعر أن الكلمة لها سيفٌ أشدّ من الرصاص.
لكن كل ذلك انهار في لحظة. لحظة سقوط بغداد لم تكن سياسية فقط، بل نفسية وإنسانية. كانت صدمة كبرى، تركتني في فراغ داخلي لم يملأه شيء حتى اليوم. شعرتُ حينها أن الشعلة التي أضاءت دربي قد خمدت مع دخان الدبابات وركام الشوارع.
ومنذ ذلك الحين، لم أعد أُكترث كثيرًا بما يجري من صراعات، حتى ما يجري اليوم بين إيران والكيان الصهيوني. نعم، أتابع، أُحلّل، أفهم الخلفيات، لكنني لا أتحمس كما كنت. كأنني فقدت شيئًا لا يُعوّض. ربما لأن ما جرى بعد بغداد أكد لي أن الخيانات أعمق، والتحالفات أقبح، وأن من يتحدث عن المقاومة قد يكون أول من يطعنها.
لقد خانت إيران العراق، وفتحت الأبواب لقوات الاحتلال، فهل أُصدّق اليوم أنها تواجه الكيان دفاعًا عن فلسطين؟ كيف أسترجع حماستي، وأنا أراها شريكة في مآسي العراق وسوريا ولبنان؟ هكذا، ما بين صحاف الأمس وأحداث اليوم، تبقى الشعلة منطفئة، ويظل الحنين إلى زمن كانت فيه الكلمة تضيء القلب، لا تحرقه.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق