لا أحد يملك ترف الحياد حين تنزف المنطقة من خاصرتها. فالخرطوم لا تنام إلا على أصوات المدافع ، وغزة تختنق تحت الحصار والدمار والضفة تترنّح بين الحصار والخذلان والعواصم العربية تزدحم بالبيانات وتفتقر للفعل. وحدها مصر رغم عبء الداخل وتعقيدات الخارج تتقدم لا بوصفها وسيطا عابرا بل باعتبارها الضامن الأخير لوحدة ما تبقى من المنطقة.

منذ اللحظة الأولى لانفجار الخرطوم لم تتعامل القاهرة مع الأزمة كحدث إقليمي عابر بل ككارثة تمس أمنها القومي وامتدادها الجغرافي والتاريخي. السودان في الوعي المصري ليس مجرد جار بل شريك في النهر وفي الأرض ، وفي المصير. ولهذا كانت مصر حريصة على ألا تنحاز لطرف وألا تغلق أبوابها أمام أحد وألا تُلقي بالأزمة في يد من لا يهمهم إلا الخرائط والمصالح.

في غزة كانت الصورة أكثر تعقيدا وأشد مرارة. الاحتلال لا يفرّق بين طفل ومقاتل والحرب لم تُبقِللحياة طعما ولا للمقاومة سقفا. ورغم الضجيج الإقليمي بقيت مصر وحدها في الميدان: تفتح معبرا، وتُداوي جرحا، وتفاوض عن الجميع وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جحيم يشتعل كل يوم ولا يخمد. ومع كل قصف تزداد قناعة الفلسطينيين والعرب على السواء بأن لا أحد يملك ثقل مصر ولا أحد يقدر على أن يفعل ما تفعله القاهرة حين تقرر أن تكون حائط الصد الأخير.

الفرق الجوهري في الأداء المصري أنه ليس تحركا بدافع الظهور ولا من باب الاستثمار السياسي بل من منطق الدولة صاحبة الدور والواجب. ومصر بطبيعتها وموقعها ، لا تستطيع أن ترى الخرطوم تتمزق أو غزة تُباد ثم تكتفي بالفرجة. هذا الدور ليس اختيارا بل قدر تاريخي ووعيٌ عميق بأن الاستقرار لا يتجزأ ، وأن أمن الإقليم يبدأ من أطرافه ولا ينتهي إلا عند حدود القاهرة.

ولأن القاهرة لا تُجيد اللعب على الحبال فقد دفعت -وما تزال تدفع- ثمن مواقفها من رصيدها الداخلي ومواردها، وأعصاب مؤسساتها. ومع ذلك لم تتردد ولم تنكفئ ولم تتاجر بأوجاع الآخرين. فهي التي تستضيف وتتحاور، وتضغط، وتُمهل، وتُذكّر، وتُسعف، وتُكابر أحيانا على أوجاعها لتخفف عن الآخرين.

من الخرطوم إلى غزة تسير مصر على حبل مشدود فوق نيران الإقليم. تُوازن بين دعم الدولة السودانية ، وعدم الانجرار وراء الحماقات ، وتحاول حفظ وحدة الأرض والجيش دون أن تُغريها الحسابات الصغيرة. وفي غزة تشتبك القاهرة مع الجميع: مع الاحتلال، ومع الفصائل، ومع أطراف دولية لا ترى في الدم الفلسطيني إلا أرقاما في تقارير ثم تعود إلى طاولة التفاوض ، تُقاتل بالصبر والكلمة والدبلوماسية، وتزرع الأمل في أرضٍ تكسوها المقابر.

تخيط مصر الجراح بخيوط من نار وتتحمل ألم المشرط لأنها تدرك أن البديل عن الفعل هو الانفجار وأن ترك الإقليم يتآكل، سيجعل نيران الخرطوم تمتد إلى أسوان ورماد غزة يصل إلى قلب القاهرة. ولهذا لم تنتظر إذنًا من أحد ولم تطلب دعما من حليف بل تحركت بما تمليه المسؤولية ، لا بما تُمليه التحالفات.

الذين يتابعون الشأن العربي يدركون أن مصر رغم كل الضغوط لم تفقد توازنها. بل لعله في هذه اللحظات الصعبة يزداد اتزانها ووضوح رؤيتها. لأنها تعرف أن ترميم الخرائط لا يكون بخطب رنانة بل بأفعال على الأرض ، وأن اللحظة العربية لا تحتمل المزايدة بل تستوجب شجاعة القرار وحكمة الصبر.

في زمن يتسابق فيه البعض على الاستثمار في الخراب تختار مصر أن تبني وتُصلح وتُرمم وتُخيط الجراح. لا تقول الكثير لكنها تفعل الأهم. تترك الضجيج لغيرها، وتذهب حيث النار تُطفئها وتعود محمّلة بأوجاع الآخرين فقط لتمنع امتداد الألم إلى أبعد مما هو عليه.

هذا هو الفرق... وهكذا تبقى مصر بكل ما تحمله من تاريخ وجغرافيا وكرامة ، الجدار الأخير الذي إن انهار انهارت معه فكرة العرب ذاتها.