في الشرق الأوسط لا تحتاج إلى خريطة لتفهم أين تقف البنادق ولا إلى نشرة أخبار لتدرك أن هناك من يعبث بالفتيل تحت الطاولة بينما يعرض راية السلام فوقها. المسألة باتت أبعد من مجرد تصعيد عسكري بين إسرائيل وإيران ، أو تهديدات أمريكية تُطلق عبر التغريدات لتتحول المنطقة إلى مسرح مكشوف لحرب وكالة معولمة، يديرها الكبار من خلف الزجاج العازل ويدفع ثمنها الأبرياء.

الحدث قد يبدو عابرا: طائرات إسرائيلية تضرب منشأة نووية إيرانية تصريحات نارية من طهران ، وأخرى مزدوجة المعنى من واشنطن لكن المشهد الأوسع يقول إن شيئا كبيرا يُعاد ترتيبه في الظل. والمفارقة ليست في القصف بحد ذاته، بل في التوقيت، والسؤال الأهم: من المستفيد؟

الولايات المتحدة التي ترفع شعار "أمريكا أولا" في خطابها السياسي تبدو في حالة انقسام داخلي ليس فقط بين الجمهوريين والديمقراطيين ، ولكن بين ما تبقى من ضمير استراتيجي وما تفرضه ضرورات المرحلة الانتخابية. في العلن تندد إيران بـ"العدوان الصهيوني"، وتتوعد بالرد لكن في الكواليس، يعرف الجميع أن الرد محسوب بالورقة والقلم وأن التصعيد مرهون بإشارة من "العقلاء" في واشنطن أو موسكو أو بكين.

الصورة التي تنقلها الإدارة الأمريكية مربكة حتى لحلفائها. فالرئيس الأمريكي – سواء كان ترامب أو غيره – يرسل إشارات متضاربة يوحي في لحظة أنه يتهيأ للحرب وفي اللحظة التالية يتحدث عن "نافذة دبلوماسية". التصريحات تتبدل والقرارات تُسوَّف ، والكونغرس منقسم بين من يرى في إيران خطرا استراتيجيا يجب استئصاله ومن يحذر من تكرار الكارثة العراقية.

أما إسرائيل فتبدو في أفضل حالاتها التفاوضية. تؤدي دور "المُنفذ"، لكنها تترك واشنطن تدفع ثمن الفاتورة السياسية. وإذا كانت الضربات الجوية هي رأس جبل الجليد فهناك ما هو أعمق بكثير: حرب سيبرانية، وحصار اقتصادي، وسباق تسلح مفتوح على مصراعيه.

إيران من جهتها تلعب على حافة الهاوية. تُظهر صلابة في خطابها، وتلوّح بالرد، لكنها تدرك أن فتح جبهة مفتوحة مع أمريكا أو إسرائيل هو انتحار سياسي قد يكلفها النظام ذاته. ولذلك تعتمد على حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لتخوض الحرب بالنيابة عنها وتُبقي نار المعركة مشتعلة دون أن تمسك بالزناد مباشرة.

وفي خضم هذا العبث الإستراتيجي يضيع صوت الشعوب. لا أحد يسأل السوري عن رأيه، ولا اللبناني، ولا العراقي، الذين يدفعون منذ سنوات ثمن هذا الاصطفاف القاتل. لا أحد يهتم بمستقبل اليمن، أو ما تبقى من غزة، أو إذا كان الجيل الجديد في المنطقة يريد فعلا أن يعيش في سلام أو حتى أن يعرف طعم الحياة خارج الظل الثقيل للبارود.

أمريكا التي ترفع شعارات حقوق الإنسان وتتباهى بأنها حامية الديمقراطية، تجد نفسها اليوم مطالبة بتفسير أكثر من مجرد ضربة جوية أو بيان دبلوماسي. عليها أن تشرح لماذا تنساق وراء إسرائيل إلى حافة هاوية جديدة بينما لا يزال جرح العراق مفتوحا، وخروجها من أفغانستان لم يجف بعد في كتب التاريخ.

القرار النهائي لا يزال في يد الرئيس الأمريكي لكن حدود القرار تتقلص كلما زاد الاعتماد على الوعود الانتخابية بدلا من الحسابات الاستراتيجية. وإذا اختار الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران فسيكون عليه أن يقنع ناخبيه – قبل خصومه – لماذا يجب على الجنود الأمريكيين أن يموتوا من أجل أمن تل أبيب لا من أجل أمن واشنطن!

في النهاية كل الأطراف تتحدث عن "الردع"، لكن أحدا لا يريد أن يعترف بأن المنطقة كلها باتت رهينة سباق جنوني لا رابح فيه إلا تجار السلاح وخاسره الأكبر هو الإنسان العربي الذي خُيّر بين الاحتلال والانهيار وبين حليف يبتزّه وعدو يدمّره.

ويبقى السؤال: من يُمسك فعلا بزناد القرار؟ وهل ننتظر الدخان الأبيض من فوق البيت الأبيض أم أن المصير قد كُتب بالفعل بالبارود؟