بقلم الدكتور أحمد سعيد رزق - موقع المصري

 

أولًا، ليس ما سيُكتب هنا من قبيل النعرة، ولا العصبية الممقوتة، ولا شيئًا من الجهوية المرفوضة، فكلّنا واحد في بلاد النيل التليد... ومصرنا العظيمة.

ومع ذلك، يظل مُلِحًّا هذا السؤال الذي لطالما طرح نفسه دائمًا: لماذا المنوفية تحديدًا في كل أمر جيد؟

كمؤرخ – أو هكذا أُفترض نفسي – يشير أرنولد توينبي في نظريته "التحدي والاستجابة" لتفسير الحدث التاريخي، إلى أنه كلما كثرت الفرص، قلّت الاستجابات؛ والعكس صحيح، فكلما قلت الفرص، زادت الاستجابة.
وبمعنى أبسط: حين تزداد الفرص وتتوافر دواعي الدعة والرفاهية، يأتي ذلك بنتائج عكسية على مستوى الحافزية لدى الأفراد وأدائهم، بينما حين تندر الفرص، تشتد الرغبة في الاجتهاد، ويعلو سقف الطموح.

هذا ما قد يُفسّر – أو يُساهم في تفسير – الوضع المتميز في الاستجابات الباهرة لأبناء هذه المحافظة.
فالأرض الطيبة (منيفرو) – وهو اسمها في المصرية القديمة، ومنها اشتُق اسم "المنوفية" اليوم، ومعناه الأرض الطيبة – وهكذا كان يسميها في رواياته توفيق الحكيم، الذي، بالمناسبة، هو منوفي.
فرغم كون أرضها خصبة، جيدة الإنتاج، لكنها محدودة المساحة، محاصرة جغرافيًا عند رأس الدلتا: يحيط بها من الشرق القليوبية، ومن الشمال وأجزاء من غربها محافظة الغربية، ومن الغرب أيضا تلتصق بأجزاء من محافظة البحيرة، وبمعنى أبسط  لا ظهير صحراوي (وذلك حتى استقطع  الرئيس الشهيد البطل السادات جزءًا من البحيرة لتأسيس مدينة السادات)، ولا سواحل بحرية تُحفّز على التجارة أو العمل في الصيد، ولا تاريخ طويل من الصناعات والمصانع الحديثة (عدا استثناءات حديثة في تلا وقويسنا، ومدينة السادات لاحقًا).

هذه المعطيات الجغرافية والاقتصادية كانت – ولا تزال – طاردة للسكان، فتدفعهم للخروج بحثًا عن الفرص. وهنا يبدأ التحدي الحقيقي:
كيف يجد ابن المنوفية فرصته خارج محافظته المحدودة الموارد؟
الجواب: بالاجتهاد والمثابرة، والسعي نحو التميز، لإجبار الآخر على قبوله وتقديره.

المنوفية أرض محدودة، والأب فيها يُنشئ أبناءه على هذا الإدراك: "مافيش أرض... لازم تتعلم."
فتنعكس هذه التربية في صورة استجابات عالية للواقع... وهذا – إلى جانب نقاء الماء، وجودة الطعام، وصفاء البيئة – قد يُفسّر سر الحضور المتكرر لأبناء المنوفية في قوائم أوائل الثانوية العامة في مصر لعقود، حتى ليُخيّل للمتابع أن هناك "عقدًا سرّيًا" بين المنوفية والثانوية العامة، يفرض وجود منوفيٍّ أو اثنين أو ثلاثة – بل وأربعة أحيانًا – على رأس القائمة كل عام!

ولا ننسى، طبعًا، أن أغلب رؤساء الجمهورية في مصر – لسبب أو لآخر – من أبناء هذه الأرض، بل وأغلب قادة الصف الأول من قادة حرب أكتوبر منها كذلك.
والحقيقة أن القائمة طويلة، وإن شئت قل:  طويلة جدا جدا .
.
..
لدرجة تجبرك أن تسأل نفسك في كل مرة؛ لماذا المنوفية؟!!!
.
.
.
ولا يمكن أن أنسى المباركة لكل أبنائنا ممن اجتازوا الثانوية العامة، سواء بالتفوق، أو التوسط، أو حتى ممن تعثّروا...
وأقول للجميع: لسنا اليوم في زمن كليات "القمة" و"القاع"، هذا زمنًا قد ولى بلا عودة،  بل نحن في زمن كليات سوق العمل، الذي يعترف بها العالم ويمنح خريجيها فرصًا حقيقية.
فلا تدَع مخيّلتك تُوجّهك توجيهًا خاطئًا...