في إحدى الحلقات التي تجاوزت كونها مساحة إعلامية عابرة، ولامست جوهر الممارسة السياسية ذاتها، جمع برنامج الإعلامي المعروف عمرو أديب بين الصحفي والسياسي المخضرم الأستاذ مجدي الجلاد، وإحدى نائبات القائمة المنتميات إلى تنسيقية شباب الأحزاب.
حلقةٌ بدت في ظاهرها نقاشًا، لكنها في عمقها كانت اختبارًا علنيًا لمعايير الحوار، ولمفهوم الدور العام، ولمدى نضج الخطاب السياسي.
ما جرى على الشاشة لا يمكن اختزاله في اختلاف وجهات نظر، فذلك أمر صحي وضروري في أي تجربة سياسية حية.
إنما الإشكال الحقيقي كان في كيفية إدارة الاختلاف، وفي غياب ميزان واضح يفرّق بين الخبرة بوصفها تراكمًا معرفيًا، وبين الحضور بوصفه رغبة في إثبات الذات.
الأستاذ مجدي الجلاد، في هذا السياق، لا يمثل شخصًا بقدر ما يمثل مدرسة.
مدرسة تشكّلت عبر سنوات طويلة من العمل الصحفي والسياسي، والاقتراب من دوائر القرار، وفهم الدولة من زوايا متعددة.
وجود مثل هذه الخبرة في أي حوار عام يفترض بطبيعته مستوى مختلفًا من الإصغاء، لا بوصفه مجاملة، بل باعتباره جزءًا من أخلاقيات السياسة نفسها.
غير أن ما لاحظه المتابع بعين هادئة، لم يكن صدام أفكار، بل تداخل أدوار. حيث اختلط الحوار بالمقاطعة، والنقاش بالاستعراض، والمناظرة بردود الفعل السريعة.
وهنا تحديدًا انتقل المشهد من مساحة التفكير إلى مساحة الإرباك، ومن محاولة إنتاج معنى إلى سباق لإثبات حضور.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن سياق أوسع تعيشه بعض مساحات العمل العام.
سياق يشبه، إلى حدٍّ بعيد، ما أصاب منظومة التعليم في مراحل سابقة، حين غابت فكرة التراكم، وأصبح كل جديد يبدأ من الصفر، وكل مرحلة تلغي ما قبلها.
فكانت النتيجة أجيالًا تحفظ دون فهم، وتتكلم دون وعي، وتؤدي الدور دون إدراك لطبيعته.
السياسة، مثل التعليم، لا تُبنى بالقفز على المراحل، ولا تُدار بردّ الفعل، ولا تُقاس بسرعة الإجابة، بل بعمق السؤال.
في التجارب السياسية الرشيدة، هناك قاعدة غير مكتوبة لكنها حاضرة بقوة..
(من لم يُتقن الإصغاء، لا يحق له أن يقود الحوار).
فالإنصات أمام الخبرة ليس ضعفًا، بل وعي بمكانة الدور، وإدراك بأن السياسة ليست مساحة لإلغاء الآخر، بل لإدارة الاختلاف معه.
ولا يعني هذا تفضيل جيل على آخر، ولا تقديم الخبرة بوصفها وصاية، ولا الشباب بوصفه تهديدًا.
الصدام بينهما وهمٌ مصطنع.
الحقيقة أن الدولة تنهض حين يتعلم الشاب قبل أن يقود، ويقود المجرّب وهو يعلم.
وحين يُكسر هذا التوازن، تتحول السياسة من مسؤولية ثقيلة إلى ممارسة خفيفة، ومن فعل مؤسسي إلى مشهد إعلامي.
في تلك الحلقة، لم يكن السؤال الحقيقي.
من كان أكثر إقناعًا؟
بل:
هل تم احترام معنى الحوار؟
وهل أدرك الطرف الذي طوال الحلقة يجادل بان يظهر موقعه داخل المشهد؟
فالحوار السياسي ليس ساحة انتصار، بل مساحة اختبار للفهم.
والمنصب العام ليس منصة للرد، بل أمانة للكلمة.
ومن لا يفرّق بين الحوار والنقاش والمناظرة، يظن أنه يشتبك سياسيًا، بينما هو في الحقيقة يستهلك السياسة دون أن يضيف إليها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تجربة سياسية ليس الخلاف، بل تسطيح المعايير.
أن يتساوى الصوت مع المعرفة، والحضور مع الكفاءة، والجرأة مع الفهم.
عندها لا تخسر السياسة حلقة تلفزيونية، بل تخسر درسًا كان يمكن أن يُبنى عليه.
تلك الحلقة، بكل ما حملته من جدل، لم تكن امتحانًا لضيوفها فقط، بل مرآة لثقافة الحوار السياسي في لحظة دقيقة.
مرآة تستحق أن نتوقف أمامها لا للاتهام، بل للمراجعة.
فالسياسة لا تُقاس بمن يتحدث أكثر،
بل بمن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يتعلّم.
دمتم و دامت مصر آمنة بشعبها و قائدها العظيم و جيشها الباسل و رجال أمنها الاوفياء.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق