مظاهرات لا ملوك:
الهيمنة الترامبية المستفحلة تتراكم لتدحرج كرة الثلج في الشارع الأمريكي.
بشكل متراكم ومجتمع، هناك عدة مظاهر وعوامل تعبث بالاقتصاد الأمريكي والسياسة الداخلية، فتحولها إلى ما يشبه الدول الاستبدادية.
على رأس هذه المظاهر الإغلاق الحكومي الذي استمر لشهرٍ ونصف، وهي أطول فترة إغلاق في تاريخ الرئاسة الأمريكية، ما ترتب عليه خسائر فادحة في الاقتصاد الكلي كما يشير جوزيف بوريل، رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي، الذي كان معارضًا لترامب منذ إعلانه المشؤوم عن التعريفات الجمركية في مارس الماضي.
تبع ذلك تأخر الرواتب للعديد من الموظفين، وتجميد وظائف حيوية في قطاعات مهمة.
كانت تلك اللعبة الاقتصادية قد اشتعلت حين أعلن ترامب عن رفع الرسوم الجمركية، وهو ما وصفه عدد من أساتذة الاقتصاد من مختلف الاتجاهات — من اليمين مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين، إلى اليسار مثل مارك بليث وريتشارد وولف — بأنه قرار كارثي فكك جزءًا من الهيمنة الدولارية المسعورة على الكوكب، وجعل الذهب يحلق في السماء لأسبوعين متتاليين خوفًا من أزمة “كبرى” كتلك التي حدثت عام 2008 حين دخل العالم في ركود مركب استمر عامًا ونصفًا.
أما في السياسة، فالوضع لا يقل انحطاطًا عن الأداء الاقتصادي؛ إذ شوهد الحرس الوطني في الشوارع لأول مرة منذ عقود، يمارس ممارسات قمعية تتساوى مع الدول البوليسية. ففي يونيو الماضي، اعتُقل أكثر من 500 مواطن خلال اشتباكات مع الشرطة، ما دفع المحرر في “الإنترسبت” جونا فالديز لوصف المشهد بأنه “أمريكا المعادية للمهاجرين والمسالمة”.
ووصل الأمر إلى السعي لتعديل المادة 22 من الدستور، بما يمنح ترامب حق الترشح لولاية ثالثة، واحتمال فوزه “المؤكد” بحسب هوارد فرنش، خبير العلاقات الدولية في جامعة نيويورك.
ترامب بهذا المعنى يُرسخ نوعًا جديدًا من “المكارثية”، لا تنتج سوى التخوين والإقصاء، كما ظهر في سلوك المتحدثين الرسميين تجاه الصحفيين بعبارات بذيئة لا تليق بمؤسسات دولة تدّعي الديمقراطية. هذه الممارسات جعلت الفاشية الداخلية تتحكم في مفاصل الدولة التي كانت يومًا ما رمزًا للحريات.
استجابة لذلك، خرج نحو 7 ملايين أمريكي إلى الشوارع في مظاهرات ضخمة شملت تايمز سكوير وميدان كاليفورنيا وغيرهما، لتشكّل ضغطًا شعبيًا هائلًا على الحكومة اليمينية المتطرفة. وردّ ترامب بفيديو ساخر من المتظاهرين على متن طائرته، في مشهد لم يحدث حتى في عهد نيكسون وفضيحة “ووترغيت”، مما يطرح تساؤلات خطيرة حول مصير الديمقراطية الأمريكية.
الديمقراطية المعكوسة أو الديكتاتورية المنضبطة:
أظهرت دراسة أعدّها أستاذا العلوم السياسية ليكوان وي وستيفن ليفيتسكي بعنوان “المسار السلطوي للولايات المتحدة” أن ترامب يؤسس بالفعل لسلطوية شعبوية ممتدة.
وأشارت الدراسة إلى أن سلوكه العدائي، وإجراءاته الاقتصادية والسياسية، ودعمه للطغاة أمثال بوتين، تمثل ملامح واضحة للديكتاتورية الحديثة.
هذا ما جعل الصحفي مهدي حسن يرى أن ترامب “في حرب مفتوحة مع حرية التعبير”، وأن سعيه المحموم وراء جائزة نوبل للسلام ليس سوى تمثيل مبتذل يخفي وراءه عقلية استبدادية.
ترامب يسعى لتعديل الدستور لتمديد فترات الحكم، متبعًا نهج الدول القمعية، ومتبنيًا مواقف عنصرية غير مسبوقة في ملفات الأمن والهجرة والتجارة الحرة.
وقد انتقد أستاذ العلوم السياسية ستيفن والت تلك “الواقعية الزائفة” التي لا ترى في السياسة سوى القوة العارية والطاعة العمياء، بينما حذر المؤرخ دانيال إيموجوور، في كتابه كيف تخفي إمبراطورية، من أن هذا النهج يعيد إنتاج الفشل الذي عرفته أمريكا في عهدي نيكسون وبوش.
التاريخ يعيد نفسه... ترامب فاشيّ جديد!
مع تكرار نزول الحرس الوطني إلى الشوارع، باتت الولايات المتحدة على حافة الانفجار الداخلي.
كما قال عالم الاجتماع آلن بلير: “ترامب يسحق الحقوق الأمريكية ببطء ورويّة مذهلة”.
ويشير الباحث تيموثي سنايدر في كتابه الطريق إلى اللاحرية إلى أن سياسات ترامب تذكر بتاريخ جمهورية فايمار، التي مهدت لظهور النازية بعد انهيار النظام الديمقراطي الألماني.
ويرى أوسكار ريكيت، في مقال له بـ“ميدل إيست آي”، أن ترامب يفتقد إلى أي مبدأ ثابت أو التزام سياسي حقيقي، وهو ما يجعله أقرب إلى نموذج هتلر في بداياته.
أما الفيلسوف الأمريكي كورنيل ويست فيؤكد أن ترامب “يهندس أمريكا جديدة” قائمة على الاستعراض والقمع، نسخة حديثة من فايمار التي سقطت ضحية لغرورها وتطرفها.
في الختام،
تبدو أمريكا اليوم بين وهم العظمة وحقيقة الانحدار.
فالقيصر الأمريكي الجديد، كما يصفه النقاد، لا يهمه سوى المظهر الخارجي والصفقات السريعة، بينما تنهار في الداخل القيم والمؤسسات.
إنها الترامبية الوراثية، حيث تتحول الديمقراطية إلى ديكتاتورية أنيقة... نهاية هزلية لإمبراطورية كانت تدّعي أنها حارسة الحرية في العالم.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق