بوقاحة تعدت حدود المفاجأة؛ ضربت إيران فاجأ الطيران الصهيوني الجميع بضرب ميناء سيدي بوسعيد في تونس الخضراء لتعطيل أسطول الصمود عن إكمال مسيرته نحو فك الحصار الخانق على غزة، فتتمادى بشكل متسع ومتمدد وتصل الضربات الغادرة كذلك إلى سورية، في رسالة كاشفة أنها لا تريد مفاوضات ولا إنهاءًا حقيقيًا للحرب الإبادية على غزة حتى تُنفذ على الأقل أهدافها المخصصة لجعل العالم العربي صهيونيًا بشكل كامل ودون أي تجميل زائف.

وبطبيعة الحال، وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تلك العربدة الإسرائيلية، مثلما فعلت عند قصف إيران المفاجئ المؤدي إلى حرب الـ12 يومًا الفاصل، كما أشرفت وأدارت كل الرؤى السياسية والدبلوماسية مع صك وعد بلفور ومع بريطانيا، لتبلور رسالتين لا ثالث لهما: إما أن تكون خادمًا مطيعًا أو تُقصف لتكون عبرة ورسالة تهديد لبقية الدول. وهذا ما عبر عنه البروفسور إيلان بابيه في حوار مطوَّل مع مجلة «بروسبيكت» البريطانية في شهر مايو الماضي — أي بعبارة أخرى: الذل أو الحرب.

وبتلك الصورة الكاشفة، ترسخ تلك الضربات الهمجية رسائل هامشية حيوية أيضًا، على رأسها أن نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب إلا بالطريقة المناسبة على هواه، التي يهرب بها من المحاكمة؛ ليُعاد انتخابه مرة أخرى عبر محو غزة من على الأرض وتفكيك حركة حماس واغتيال قياداتها السياسية والعسكرية، عبر جعل العالم العربي والإسلامي رقعة شطرنج وجبهة حرب مستباحة السماء ومهانة، تجعل اختيار العرب جميعًا تجنب الحرب أو حتى الردود القوية بطرق سياسية ودبلوماسية، لتأتيهم الحرب وهم في بيوتهم ومضاجعهم المريحة، ذاهبة بالسلام الوردي والاستقرار الثابت لمهب الريح — بنفس منطق تلك الدول في الحكم الاستبدادي لشعوبها المقهورة.

عطفًا على ذلك، يرسم هذا الهجوم معادلة سيطرة جديدة شديدة قوامها أن القوة العسكرية هي اللسان المتحدث بالنيابة عن الشعارات البراقة، فضلًا عن ضعف وهشاشة الدبلوماسية الدولية في ظل عالم عربي وإسلامي يراد رسمه وإعادة تشكيله قسريًا، محققًا بذلك نبوءة الدكتور حامد ربيع عن الأمن القومي العربي، خاصة في ظل وضع إقليمي آنذاك كان يتجه بالفعل نحو الانحدار المتهاوي نحو التبعية الكاملة لجهات إقليمية، إما بالاتفاق المباشر معها مثل حالتي مصر والأردن في كامب ديفيد ووادي عربة، أو في حالات أخرى كحالة طوفان الأقصى المتدرجة إلى عربدة كاملة بلا سقف تطال جميع الدول العربية بلا مواربة، بل بصلافة وقحة نابعة من الصمت المخزي والمخجل.

وبالنسبة لمستقبل الحرب الإبادية على غزة، فستتمدد إلى مناطق جديدة بلا توقف محدد لأنها حرب أبدية صفرية، أو مثلما كتب عاموس هارئيل في مقال موسع بمجلة الشؤون الخارجية في شهر أبريل الماضي، وأكد على نفس الطرح في حوار مطوَّل مع الصحفي المخضرم إسحاق شوستر في مجلة «نيويوركر»، مشيرًا إلى أن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بلغ أعتى درجات التطرف والجنون، ما يطرح سؤالًا حيويًا عن تاريخية تلك السياسة الاستعمارية في عقلية الكيان منذ بزوغه الحقيقي في المنطقة عام 1948م.

من تحقيق الأمن القومي عبر التوسع والإرهاب الاستعماري إلى «إسرائيل الكبرى»... مستقبل إسرائيلي مهزوم ومدمّر ذاتيًا.

في كتابه المثير للجدل والنقد «دولة الإرهاب»، يسلط الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية توماس سوارزيز (أو ما شابه) نقطة محورية في الكيان الإسرائيلي، ألا وهي اعتماد الكيان على فائض القوة الممنوحة له من الولايات المتحدة المتمثلة في الأسلحة المتقدمة لتستخدمها في تحقيق مصالح الولايات أو الكيان ذاته. ومن ثم سرعان ما تطورت كاستراتيجية حربية كاملة الأركان تسمى «الهجوم الاستباقي»، مستخدمة إياها عبر تاريخها الإجرامي، متبلورة في عدة أحداث أساسية ومواقف كاشفة مثل العدوان الثلاثي 1956 ونكسة 1967، وكذلك الحرب الأهلية اللبنانية ومجازر مثل صبرا وشاتيلا وقانا عامَي 1981 و1987 م.

وتتكون العقيدة الأمنية الإسرائيلية من عدة نقاط مؤسسة، على رأسها العقيدة العدائية تجاه جميع العرب لما لهم من باع عدائي وتاريخ كبير من عمليات القتل الممنهج والوحشية الغاشمة، التي نظر إليها كبار المنظرين المتطرفين من زئيف جابونسيكي وانتهاءً بمارتن فان كريفيلد، واضعي نظريتي «الجدار الحديدي» و«الجدار العازل» لضمان ضبط المعامل الاستقراري والحفاظ على الأمن القومي الصهيوني، فضلًا عن تحديد مدة قصيرة للحرب المخاضة بطريقة خاطفة قصيرة تمكنها من تحقيق أهداف محددة ضخمة في وقت قصير، موظفة إياها في حربي 1948 و1956 محققة أهدافًا استراتيجية كبرى مثل احتلال فلسطين بنسبة تتخطى النصف وهزيمة الجيوش العربية وضمان ثبات الولاء المطلق والطاعة المتبادلة لضمان سير المنطقة وفق رغبتهم السياسية ورؤيتهم الاستعمارية.

مع تحلل تلك العقيدة في حربي 1967 وما بعدها في حرب أكتوبر 1973، دأب الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري على دراسة العقيدة العسكرية للكيان الصهيوني من بين نقاطها الاستراتيجية والمستقبل المحتمل له مع فلسطين، فأخرجه في كتاب متقن ومحترف معمق بعنوان «الخيار العسكري العربي». وكان متفقًا مع الدكتور الفذ جمال حمدان في مقال مطوَّل تحت عنوان «مستقبل إسرائيل وفلسطين» في مجلة الهلال عام 1957م بأن الكيان سيصل إلى «معادلة مستحيلة» من الجنون والتطرف تجعل المقاومة المسلحة المستمرة ضده «كالفرض ما بعد الوضوء». وبالفعل تحققت تلك اللحظة بكامل تطبيقاتها المتجسدة في استباحة كامل الأراضي العربية وتحقيق مقولة الرئيس الأمريكي «السلام عن طريق القوة»، إذ إن الطوفان أعاد تركيبًا قسريًا مدمجًا لعقيدة «الذهاب للأمام» مع عقيدة «اللا حل» التي لا تهدف بمنتهى الوضوح والتجلي إلا إلى زوال كامل وحتمي للمشروع بطريقة تراجيدية؛ أو بعبارة أخرى: لا وجود لليوم التالي في عقل نتنياهو بعد انتهاء الحرب.

ورسمت هذه المفارقة المشكلة طريقين محفوفين بالمخاطر في عقل نتنياهو؛ حيث نبهته لضرورة التخلص من جميع القوى الصلبة في الشرق الأوسط لرسم شرق أوسط جديد يحكمه رئيس الكيان عمليًا، وانفراد القوى بالقبض على الحكم قسريًا لدول مدجنة مهجنة بلا قوى سياسية أو استخباراتية للمنافسة أو التصادم، سواء المبطن أو العلني مثل غزة وسورية وإيران وتركيا، ليُتم له هدفًا واحدًا ألا وهو — وإن كان ملتفًا وماكرًا — رسم «إسرائيل الكبرى» بحد تعبير نتنياهو في المقابلة الشهيرة مع شارون غال يوم 21 أغسطس الماضي، فضلًا عن ربط الأمن القومي الأمريكي بالإسرائيلي حتى لو كان ذلك على حساب حليف قوي أو رئيسي مثل قطر أو في حالة إيران العسكرية، التي غيرت عقيدة الكيان الدفاعية للعقيدة التأسيسية له.

في هذا الصدد، يضفي الهجوم بعدًا مستحدثًا على الإسرائيلي نفسه كسياسة وعسكرية وشخصية قيادية، لفكرة حنة أرندت الفيلسوفة الألمانية التي واجهت كيانها المتسمح بدينه واسمها حتى بلغت درجة الحدة مع مدرسها الأوحد وأبوها الروحي مارتن هايدغر، المناصر وبغرور أعمى لفكرة «الوطن اليهودي» الحالم بتحقيقها، إذ إنه خائف على مصيره فدعم هتلر والحركة الصهيونية معًا، لينهي حياته مثل أي لقيط خائف يتوجس من عودته مشردًا مكروهًا في الأرض بطريقة تقارب وتتطابق، حد السيف، مع نهاية إمبراطوريات كبرى في التاريخ مثل فيتنام والمكسيك وقوات مانويل نورييغا التشيلية.

صخرة الإكمال العربدي: طريق مميت للغطرسة الإسرائيلية

وصل الكيان الإسرائيلي إلى درجة كبيرة وعالية من التخبط الجنوني والفشل المتتالي نتيجة الحائط المنيع الذي تفاقم ليتحوّل إلى حوائط منيعَة ضده، مع التأكيد على الانهيار المجتمعي والسردية العالمية تاريخيًا من وجهة نظر الغرب. فيلجأ لمزيد من العنف الوحشي حتى يسجل مداه؛ إذ إنه كلما زادت عنفه وغطرسته اقتربت نهايته هو وأتباعه، كما أكد الدكتور عبد الوهاب المسيري بشكل متسق مستمدًا من تاريخ الدول المستعمرة للآخرين، الحريصة للغاية على بقائها على كرسي الحكم أو السلطة للخلود أو لتحقيق مشروعها.

ومن هنا، فإن غطرسة الاحتلال الإسرائيلي لهو إعلان مؤكد وخبر جازم عن بدء نهايته الحتمية في المنطقة بشكل أبدي، مجسدًا نبوءة صاحب العصا — رحمه الله — حينما قال: «سنجعله في صدام مع العالم»، ورحل لا فقط ليتركنا حيارى بل لنعرف أن عصاه المباركة كانت رسالة دامعة عن الثبات الصمودي حتى آخر رمق. فلا سلام حقيقي ولا تنمية ولا حتى حياة حقيقية ترجى نموها في ظلال الكيان اللقيط، لأنه هو العائق الوحيد أمام الاستقلال الحقيقي، وليس استقلالًا جوهره استعمار إلى النخاع كما يؤكد المفكر المهدي الحنجرة في كتابه «زمن الذلقراطية»، بل انطلاقة لحياتنا للأمام وليس من قاعٍ إلى دركة أحط.

هذا الذل المركب يعانيه نتنياهو أولًا قبل أي شخص آخر؛ لأنه ببساطة لا يمتلك غير عدة أدوات خبيثة واستراتيجيات محدودة ضيقة، إذ أنه لا هدنة تتيح الاستباحة الكاملة وحرية القصف والتدمير، أو ممارسات خبيثة تهدف لإخراج هدنة مصممة في الأساس لخدمة مصلحة أحادية الجانب، لأنها تذهب حتفها بقدميها. ولعل هذا ما أشار إليه باحثون إسرائيليون شتَّى لن يثنيهم عن آرائهم الثابتة مصلحة مادية أو منفعة شخصية، منهم فان كريفيلد نفسه الذي توقع التفكك الكبير كما أسماه في حوار صحفي مطوَّل قبيل فك الارتباط عام 2001، فكان على رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي — مجرم الحرب بنيامين نتنياهو — أن ينصت لمنظّريه ومفكّريه قبل تطابق قسري لخوفين وجوديين؛ أحداهما شخصي، والآخر سياسي محض.

فتكلفة العربدة والغطرسة الأحادية ثمنها فادح، وأثرها طويل وقصير المدى لكنه متجذر ومترسخ في تاريخ الكيان باعتباره صمام أمان لحمايته من الخوف الوجودي، علماً أن كلا الجناحين — اليسار واليمين — يدركان أن نشأته غير طبيعية ودموية بشكل يفوق الواقع، فحُدِّد له دولة مصطنعة، لتتفكك بعدها أو تفكك معه المنطقة جمعاء. فعلى أثر التحالف والتكتل العربي الباهت والضعيف، سيظل يتوسع في هجماته الجوية مع حرصه بالتنسيق مع الولايات المتحدة على منع خروج الحرب من يديه.