طالما كانت الطائفة الدرزية الخنجر التي استعملها جميع المستعمرين للشام في العصر الحديث، و انتهاءً بالعدو الصهيوني المتربص و اللقيط التي فضلت فيه أن يسودها الصهاينة بدلًا من حكامهم من الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع ، ما يعني ثبات المنهج الفاسد في التفكير و التحليل لتعاون عدو تاريخي أثبت على مدار عامين كاملين أنه حتى يستخدم الدروز باعتبارهم أداة مساعدة لتحقيق أهدافه الماكرة و مساعيه الخبيثة بذلك .
و لإيضاح الصورة بطريقة بانورامية أكبر ، يستعرض الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه تاريخ دولة المماليك بعضًا من التاريخ الأسود لهم في العصور الإسلامية حيث قاموا بالتآمر على جميع الدول المتعاقبة بعد أن هدى لهم الجو فأمر الأمراء مثل ببرس و أقطاي بسجنهم حتى ينتهي من تطهير الأرض من البقايا المغولية ، بل أنها لم تتخطى تلك الخيانة التي برزت على السطح لم تتشد شوكتها بعد نظرًا لما لديها من ميل للعزلة الاجتماعية و الدينية بطبيعة تعود في الأصل للدرزية كدين باطني سري يتجه لاتخاذ ممارسات معينة بتقاسميات محددة تهدف في الأساس لغلق الدائرة الضيقة عليهم قدر الاستطاعة .
فبالقفز للنكبة في عام ١٩٤٨ ، فمن المثير للاهتمام إيجاد أن الطائفة الدرزية قد منعت و شكلت جبهات مقاومة صغيرة لمنع الاستطيان الإسرائيلي السرطاني فبدأت بذلك مرحلة مهندسة مصممة بعناية من الاحتلال الإسرائيلي لعزلهم بالقوة ، عن طريق خلق مناخ اجتماعي و تعليمي ، تمكن من خلاله أن يكسب ولائهم له عبر التعليم المخصص و التجنيد الإجباري حصرًا عليهم مع محاولة تلميع ممنهجة و إبراز معتمد لمقام النبي شعيب للمزعوم في الاحتلال لكن هذه العلاقة تصدعت بقوة منذ تصاعد القومية العربية ، و جاءت النكسة في عام ١٩٦٧ لتكتب فصولًا جديدة مع الاحتلال الإسرائيلي خاصة ليس فقط على المستوى السياسي ، بل أيضًا على المستوى الاجتماعي و العسكري بحيث تحولت تمامًا للنقيض بشكل حدى .
نبغت تلك الحدية المصوغة في عدة جوانب منها على سبيل المثال ميلهم الدائم للاحتلال باعتباره الأقوى و صاحب الكلمة المسموعة في الداخل الفلسطيني المحتل مع بالطبع هندسة الاحتلال لعوامل عزلهم الاجتماعي و الثقافي عن بيئتهم الحضارية الذي طالما عاشوا فيها و تربوا لكن غلبهم الطابع العام المخصص بالكتمان السري و هادنوا بصورة كلية للاحتلال على جميع المستويات الحياتية ، و منها العسكرية المحضة التي استخدموا فيها بالأكمل و التمام حتى صارت وحدة الدروز في الجيش الإسرائيلي معروفة لدى أهل غزة بأنها "من يقومون بالأفعال القذرة "نيابة عن المحتل مع استمرار تجنيد أبنائهم إجباريًا مع ترقيتهم المستمرة مثل النقيب إحسان دقسة و وليد نور الدين .
أما على المستوى السياسي ، فالتعزيز السياسي و الإغراءات جاءت على مرحلتين ، تضمن أحداهما على الدمج الشامل لهم داخل الأحزاب و الوفود الانتخابية داخل الكيان الإسرائيلي ، وصولًا للدخول المتعمق داخل الأحزاب اليمينية المتطرفة الإسرائيلية مثل حزبي الليكود و القوة اليهودية مثل النواب حميد مطران ، و أحمد دشاه و غيرهم من النواب الإسرائيليين افتراضيًا ، غير أنهم يواجهون بعض الأزمات المعقدة و المركبة داخل الكيان فيما يتعلق بالحقوق المدنية و المساواة ما جعل حلف الدم متزعزعًا من داخله ، ليس فقط على مستوى السياسة ، بل المجتمع كذلك و على رأسهم السوريين داخل الجولان المحتل الرافضين للتمييز العنصري و التفرقة الحدية في الواجبات و الحقوق المدنية و رفضهم القاطع بحمل الجنسية الإسرائيلية قطعًا مع اختلاف حالة السويداء خاصة مع الأحداث الأخيرة الدموية.
السويداء المنشقة : نقطة أمنية وعرة على الحكومة السورية و استقواء بالخارج أعمى !!
بقوة أمتن و وتيرة أشد ، لجأت الطائفة الدرزية عقب سقوط نظام الأسد لعدة عوامل بغرض كما هو معلن على لسان أحد أبرز شيوخ العقل حكمت الهجري للاستعانة بالاحتلال الإسرائيلي لضمان الأمان و الحفاظ على سلامتهم لكن في الحقيقة اتضح الأمر الكامن في أنها تمويه سطحي لفتح الباب للتدخل الإسرائيلي ، مجسدًا في الاستهدافات المعتمدة لمحيط قصر الشعب ، و مبنى وزارة الخارجية في نهاية يوليو الماضي ، إلي أن تسارعت الأحداث الأخيرة باشتباكات الشهر الماضي الدموية في أعلى وتيرة منذ أحداث الساحل السوري التي تحولت فيما بعد لساحة إقليمية تدخل فيها ٤ دول كاملة ، كما ذكر في تقرير موسع على موقع الجمهورية نت من كتابة رندة الشواف و عمرو خليفة .
عطفًا على ذلك، جاء الاستغلال الإسرائيلي للأحداث مؤيدًا بحجج واهية ضعيفة مثل حماية الدروز و الشراكة المجتمعية في سورية لتأكيد أطروحة الكاتب الدرزي و أستاذ التاريخ الحديث و المعاصر قيس ماضي فرو في كتابه دروز في زمن الغفلة ، ليعقد مقاربة كاشفة مفادها أن الدروز سواء كانوا فلسطينين أو سوريين ليسوا بالقدر الكافي من "الصمود المنطقي"غير مع الأقوى ، و لعل هذا ما تحقق على أرض الواقع في الانشقاق الأخير في السويداء ، مع انصياع كامل أو شبه كامل لفكرة الحل التفاوضي الذي تقدمت فيه الحكومة بخطأ استراتيجي فادح "لفتح ممر إنساني "لهم من إسرائيل بالنوايا الحسنة .
و بالتالي ، تحولت السويداء لاختبار أمني صعب يتطلب التعامل معه بحرفية بالغة من قبيل الحكومة السورية الجديدة، لما تمثله من مفتاح تلاقي لمعدلات سياسية معقدة بشكل يحدد مستقبل البلاد على المستوى الداخلي و الخارجي، بعبارة أخرى أكثر دقة تحولت السويداء "لكعب أخيل "لسورية بل لكل أمل في إصلاح سياسي أو اقتصادي حقيقي نظرًا لعرقلة ممنهجة لتوازنات تتوافق بالكلية مع الهوس الغربي و الأمريكي في أولوية أمن كيانهم اللقيط الإبادي ، فانتقلت بذلك لمفتاح مهدد و مقسم للمجتمع ذاته طائفيًا و عقائديًا ما يطرح عدة تساؤلات مشروعة بحق مثل هدف الدروز ذاته ، و مدى الاتفاق الجماعي لهم جميعًا.
و يمكن الإجابة المبسطة عن هذا السؤال بالنظر لعقيدة عامة الدروز سياسيًا نظرة بانورامية، على الأقل طيلة سنوات الثورة السورية المباركة فمن المثير إيجاد مجموعات مسلحة درزية إما تعاونت مع الثوار لتحقيق خسائر كبيرة في النظام الأسدي البائد ، حتى لقى القائد ليث البلعوس قائد كتيبة أحرار الجبل ، أي جبل الدروز ، بمثابة هزة عنيفة للثورة كلها ، و لم يكتف النظام الحقير عن ذلك بل إنه اعتبره من الإرهابين ، و ردد شيوخ العقل نفس السردية المحقرة المهدرة لكرامة الإنسان ، ما يثير فضول جامح بخصوص محاولات الانقلاب المحتملة على الحكومة السورية، و الذي اكتفى الكاتب شيراز ماهر في مقاله "الغضب الطائفي "بأنها مدمرة بشدة للجوانب المكملة لبعضها البعض .
فالمحصلة هكذا تنطوى و تختصر في الانقسام المتزايد بين أطياف الشعب الواحد في العموم ، فبعيدًا عن المهاترات التوسعية و المقابلات العبثية بين الشيوخ و الإسرائيليين الإباديين ، فمن الضروري التنقيب المعمق عن الدوافع الكامنة وراء هذا التعاون" الضروري " للأمن العام" بإغفال معتمد و متعمد بالدرجة الأولى على الجهل المحض أو بالأحرى امتصاص الصدمة الشديدة التي أصابتهم جراء تولي الجهاديين منصب الحكم و مقاليده ، فنتجت عن ذلك أقلية منسحقة جزئيًا لها تنظيم مسلح ، له سجل أسود و منتهى الإجرام و الوحشية المرتبطة بالتعامل الممتد تاريخيًا مع الاحتلال منذ الاستعمار الفرنسي للهلال الخصيب ، ممهدًا لخطة إسرائيلية مدمرة في الأصل .
محو سورية أو تفكيكها : الدروز معولًا للهدم النهائي
يجهز كيان الاحتلال منذ سقوط نظام الأسد خطة خبيثة و مدمرة لسورية و السوريين إما بتفكيكها فيدراليًا و إداريًا لخمسة مناطق ، على رأسها منطقة مخصصة جنوب البلاد للدروز ، فالشاهد هنا ليس فيما يخطط لسورية لإنه قديم و تاريخيًا موجود منذ العام 1957 م ، عندما وضع الرائد النافذ آنذاك بنيامين لافجون خطة طويلة معقدة تنص على تقسيم سورية لخمس دويلات ، ما يتيح السيطرة السهلة على سورية باعتبارها مفتاحًا حيويًا و ممهدًا لوأد بلاد حيوية ، كذلك السيدة الشريرة جولدا مائير التي اقترحت بمنتهى البساطة و السلسلة رغبة التقسيم النهائي باستغلال حلف الدم القذر مع الدروز.
ولعل هذا التدرج المتسارع في تماهي الفئة الخائنة مع السردية الصهيونية حفز الصهاينة على التوغل أكثر في مناطق استراتيجية في جنوب سورية بصورة اتفاقية و توافقية ، غير توصيات توم باراك المتعجرفة الذي يود بمنتهى النعومة جعل الدروز خنجر في ظهر الدولة الناشئة ، مع عدم الاعتبار لأن التدخلات المعمقة و التوغلات " سيتطلب بسياسة حرة " ردع أي احتمالات ممهدة للوقوع في الفخ المنصوبة شباكه للإدارة الجديدة ، مع اقتراب وقوعها فيه وفقًا للأستاذ الفخري للسياسة "سامي العريان " في مقاله المعنون بالفخ المصطنع : كيف تسرع أمريكا و إسرائيل خطط التقسيم السورية .
و إكمالًا على ما قاله العريان ، فالتحول هنا في الخطة و الرؤية الصهيونية تجاه سورية ليس استراتيجيًا بقدر ما هو أمني في المقام الأول حيث أنها لفى عجلة و سعى محموم لمقايضة الأمن السوري بعدما حرصت بكافة الوسائل المتاحة أنها تبقى نفسها رهن نفوذ محدد طيلة الحرب الأهلية الطاحنة الدموية الذي حرص فيها الأسد على عدم مسها بسوء ، ليرسم منظومة مختلفة تمامًا عقب سقوطه مفادها "
إما التدجين أو التقسيم " منتهجة بذلك أسلوب الإنهاك الدوري و الإضعاف المستمر على فترات طويلة و ممتدة ، و ما الدروز غير أداة مؤقتة تستغل لفترة ما لتلقى فيما بعد مثلما حدث قبيل ذلك في التاريخ الحديث للأراضي المحتلة .
فإن النهج الدرزي في هذا السياق المدمر للدولة الناشئة أقرب للمهزلة السياسية عند حسن الظن ، إنما عند التقدير الصحيح لهو نهج فاسد مبني على انسحاق للأقوى العسكري و الأمني دون الوعي في الغالب أن المصلحة العامة لا تقتضي الاستقواء بالمحتل في وجود صاحب الأرض ، و إن لم يكن دينيًا فاتباع البراجماتية السياسية لا تتطلب أن تتحول سورية فيما بعد الأسد لساحة تقاسم نفوذ يظل مستقبله غامضًا ، مع ثبات مشهد الاقتتال الطائفي و الديني و لو أبطأ في مقابل مصالح ضيقة لبعض أطياف الطائفة ، و لزمرة خبيثة من إجمالي شعب كريم و أبي نحجت ثورته ، و لكنها لم تكتب بداية طريقه
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق