بطريقة مؤثرة وملحمية، قُنِص الناشط اليميني الأمريكي تشارلي كريك من على بُعد 200 متر ببندقية قناصة محترفة أثناء إلقائه محاضرة عن أحقية التملك للسلاح في الولايات المتحدة، فقُتل بطريقة هزلية ومفارقة للغاية لحق طالما دافع عنه بقوة، مجسّدًا إحدى أكثر المفارقات إثارة للسخرية والتهكم في الولايات المتحدة، ما يجعلها حالة استثنائية في تاريخ العنف القانوني والهدّام بدءًا من انتهاء الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر وقوانين العبودية الحديثة أو ما عرف بـ«قوانين تمييز جيم كرو»، متبوعة بهيمنتها الوحشية على العالم بطريقة جعلت من العالم «مسرحًا دمويًا» بحسب الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي.

 

إذن، فإن العنف ثابت متجذّر، يدور من فلك إلى فلك ومن حقبة تاريخية إلى أخرى خلال أكثر من 200 سنة منذ تأسيس الولايات المتحدة، منذ الإبادة الجماعية التي طالت قبائل الشيروكي والسايُوكو وغيرهم حتى تثبيت «حق امتلاك السلاح» في أعقاب حرب العبيد كما يسميها بعض المؤرخين؛ إذ يؤكد بعض المفكرين أن فكرة الحرية رسخت في الولايات المتحدة عبر مجازر ومذابح متبادلة على مدار التاريخ الأمريكي.

ومن هنا، من الجدير بالإشارة أن حادثة كريك المأساوية ليست سوى حلقة منفردة من وسط سلسلة طويلة من العنف القائم في الولايات المتحدة الذي شكّل سياستها الداخلية بالقوة منذ عهد جورج واشنطن، فجعلت العنف والدموية شعارًا عندهم منذ لحظة التحرر من الاستعمار الإنجليزي. أمست أمريكا، بحسب بعض الكتاب، غارقة في «دماء واسعة مفتوحة» — تعبير استخدمه أستاذ تاريخ في تحليل لتتبع العنف والقتل الممنهج والاغتيالات التي عادت بقوة بعد اختفائها نسبيًا منذ عصر جون كيندي.

فهذا الحدث ليس عابرًا ولا قصير المدى، نظرًا لما له من آثار بعيدة: زيادة وتيرة الاحتقان السياسي بين التيارات المختلفة والنائية عن بعضها البعض. وفقًا لدراسة لمركز الدراسات والأبحاث السياسية والاستراتيجية («سياس») حول العنف السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة، بلغت وتيرة العنف ارتفاعًا مرعبًا بمقدار خمسة أضعاف خلال ست سنوات فقط من 2019 إلى 2025، بمعدل قتل ثلاثة أفراد على الأقل يوميًا، ما وصفه بعض المتخصصين في التاريخ الأمريكي بأنه «مذهل ومرعب في آن واحد».

سترسم تلك الحادثة، رغم مأساويتها وكرّه الكثيرين لتشارلي كريك باعتباره من العنصريين التقليديين واليمينيين المتشدّدين، خطوطًا عريضة لملفات عدة: علاقة السياسة بالسلطوية، وعلاقة اليمين الأمريكي بمخاوف الحرب الأهلية المحتملة وسباق التسلّح الفردي، ليتحوّل العنف السياسي إلى ملفٍ شائك «يراد له المعالجة الجذرية عبر أرضية صلبة»، كما يورد بعض أساتذة العلوم السياسية والتاريخ الحديث في تعليقاتهم حول مخاطر التصاعد.

الشبح في نهاية الطريق: هل تشعل إسرائيل الحرب الأهلية هذه المرة؟

الشبح المرعب في الولايات المتحدة يتمركز حول احتمال اندلاع حرب أهلية طاحنة، قد تشتعل فجأة. تتناول الأفلام والمسلسلات والكتب الأكاديمية تلك التوجسات المتكررة، ومنها أعمال وثائقية حديثة حلّلت هذا الاحتمال كـ«مصير مؤجل» يحذّر من تجاهل التلميحات التحذيرية ويشجّع على رفع مستوى الوعي الاجتماعي والتعاون على أرضية مشتركة بعيدًا عن الاستقطابات الحادة.

المفارقة الناتجة عن قتل تشارلي كريك تحوّلت إلى توجيه الاتهامات باتجاه إسرائيل لدى قطاعات يمينية، حيث ادّعى بعض نشطاء ويمينيين أن لإسرائيل دورًا في اغتياله، إما بالتسبب أو بالوقوف خلف العملية مباشرة، في سياق مزاعم عن ابتزازه ماليًا. هذه الاتهامات، وإن كانت محل جدل ونفوذ إعلامي، ساهمت في زيادة الاستقطاب السياسي وتغذية نظريات المؤامرة بين الجماهير.

حتى على مستوى بعض المحافظين الجدد والشخصيات الإعلامية، بدأت انتقادات صريحة للصهيونية بوصفها أيديولوجية عنصرية، وتطوّر الخطاب ليصل إلى اتهامات قوية من بعض المذيعين بأن إسرائيل «متورطة» أو «مسببة» لما يحدث في السياسة الأمريكية. وفي المقابل، ظلّ الديمقراطيون وكثير من ساسة الوسط متحفظين أو منقسمين في التعامل مع مثل هذه الاتهامات.

تتركز استراتيجية الافتراضات حول اغتيال كريك على توسيع الصدع بين القِوى السياسية الكبرى داخل الولايات المتحدة، مستغلةً الانقسامات الداخلية وشخصيات متقلبة المزاج مثل ترامب. هذا النهج يطرح تساؤلات حول احتمالية أن تتحول الولايات المتحدة إلى ساحة تصفية حسابات عنيفة، قد تتورّط فيها أطراف خارجية أو حلفاء تُعدّهم أمريكا جزءًا من شبكتها الإقليمية.

حرب نهاية الولايات المتحدة: الخسارة الترامبية الدائمة؟

يُتهم الرئيس ترامب بسياسات تصعيدية تجاه المختلفين عنه، عبر خطاب معادٍ للاختلاف وبتعزيز سياسات الاستقواء، مما وفّر أرضية خصبة للاحتقان الاجتماعي. في الأشهر الماضية من الرئاسة الترامبية، واجهت البلاد أزمات متعاقبة شملت إغلاقًا حكوميًا طويلًا، إضافةً إلى اشتداد منطق العنف المستخدم وتبريره في ظروف معينة. يصف بعض الأكاديميين هذه الردود بأنها «عنيفة وغبية» وتحوّل اللغة السياسية إلى ما يشبه ثقافة عنف متأصلة.

وسيؤدي هذا النمط، بحسب تحليلات، إلى تعميق العداوات بين أطياف الشعب الأمريكي، وإعاقة أي نوايا حقيقية للتفاهم، ما سيُركّز الغضب في مراحل متصاعدة بهدف تصفية حسابات سياسية أو تحقيق انتقام أو ثأر، حتى إذا كانت مجرد معارضة رأي ضمن نطاق حرية التعبير.

وخلاصة القول: إذا استمر نهج الاغتيالات المؤثرة والمعقّدة مثل اغتيال تشارلي كريك بمثل هذه التعقيدات والادّعاءات، فليس من المستبعد أن يظهر شبح انقسامٍ داخلي أوسع. هذه الحوادث الجلية قد تكون مؤشرات على اقتراب نهاية امبراطورية كانت تتأرجح داخليًا — ليس من الخارج هذه المرة، بل من داخل بنيويّتها الاجتماعية والسياسية. المستقبل لا يزال غامضًا، سواء انهارت الدولة أو اقتربت من حافة الانهيار، أما الآن فتبقى هذه الحوادث مرايا لما قد تحمله الأيام القادمة من مفاجآت ومخاطر.