في تلك الصورة التي التقطت لترامب وأردوغان، سحب الأول كرسياً للأخير كما فعل من قبل مع نتانياهو ليس مجرد لفتة بروتوكولية عابرة، إنه إشارة صامتة من إمبراطور العصر الجديد، الرجل الذي يعتقد أن العالمَ رقعة شطرنج، والحكامَ مجرد قطع يحركها كيفما يشاء، ترامب معجبٌ بأردوغان كما هو معجب بنتينياهو، لأنهم جميعاً رجالٌ من طينته: براغماتيون يضعون المصالح فوق المبادئ، والقوة فوق القانون.
ولكن وراء كل إعجاب ثمن، والسؤال الذي يطارحنا هنا: أي ثمنٍ دُفع في ذلك اللقاء؟ هل كان الحديث عن تقسيم سوريا، أو تهجير أهل غزة، أو إعادة رسم خريطة المنطقة من جديد؟ الدكتور محمد علي الدشناوي، الرجل الذي أعتبره أخاً ومرشداً، كان محقاً حين وصف اوردغان بأنه "براغماتي كبير"، لكن البراغماتية في قاموس السياسة الدولية تعني أن الضعيف يُفترس، والقوي يُدار.
الجماعة العربية خرجت من ذلك اللقاء – وبخاصة مصر – وهي ترفض رفضاً قاطعاً أي اقتراح التفريط في ذرة من ترابها، وليس أدل على ذلك من الاجتماع الطارئ الذي عقده عبدالفتاح السيسي مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان ووزير الداخلية. هذا ليس اجتماع أزمة عادية؛ إنه، من وجهة نظري، اجتماع حرب، لأن المنطقة على شفا انفجار، ولأن اللعبة التي يلعبها ترامب وأردوغان تهدف إلى إحياء "الخليفة العثماني" الجديد، ليس حباً في الإسلام، بل ليكون "لورانس عربي" آخر، مهمته تقسيم المُقسَّم، وتفكيك المتفكك.
النتيجة ستكون كارثية: تقسيم سوريا، ودعم "حمادتي" قوات الدعم السريع في السودان، وشراء ولاء حفتر في ليبيا، ثم ترك مصر وحيده تواجه هذه الإمبراطورية الوليدة بقيادة ترامب، الذي يحلم بأن يكون إمبراطوراً أبدياً، لقد وجد في حكام الخليج انكساراً وتبعية، ولم يتحرك ساكناً حين سال الدم العربي الحر في أكثر من ساحة، وسيتركون مصر وحدها، كالعادة.
لكن رسالتي إلى الرئيس السيسي واضحة: نحن شعبٌ عصي على الانكسار، لقد حطمنا أسطورة خط بارليف بالماء والإرادة، ونحن قادرون على تحطيم أي أسطورة أخرى. ولكن الحرب المقبلة ليست حرباً مع إسرائيل وحدها؛ إنها حرب مع أمريكا أيضاً. والمواجهة تحتاج إلى حكمة مختلفة، واستراتيجية لا تقليدية.
الثقة في قدرة الجيش المصري على تحقيق النصر خلال ساعات أمرٌ لا نشك فيه، لكن المعادلة اختلفت، لن تكفي المواجهة العسكرية التقليدية، لأن العدو لا يفهم لغة إلا لغة "المدني بالمدني"، إنها المعادلة البشعة التي يفرضها منطق القوة الأعمى.
لذلك، فإن الرد يجب أن يكون من نفس النسيج، لا بد من وجود "قنبلة نووية صغيرة" ليست بالضرورة قنبلة من اليورانيوم، بل ورقة ضغط مصيرية أو حتي حقيقيه في شارع ما في شقه ما، وزر أحمر" يُداس عليه في الوقت المناسب، يضع واشنطن أمام مرآة مصيرها، لأن هذه المعركة لن تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في العقول قبل البندقية، وفي إرادة الشعب الذي يرفض أن يكون ورقة في لعبة الآخرين.
هذه هي اللعبة الجديدة، والورقة الوحيدة التي قد تُحدث فرقاً هي ورقة "المدني بالمدني"، ليس لأننا نريدها، بل لأنهم فرضوها، والحرب، للأسف، لا ترحم الضعفاء.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق