عُقدت القمة العربية ـ الإسلامية في العاصمة القطرية الدوحة في 15 سبتمبر المنقضي، لبحث الهجوم الإسرائيلي على مقر قيادة حركة حماس في الدوحة بتاريخ 9 سبتمبر، الذي أسفر عن استشهاد عددٍ من الأشخاص وإصابة آخرين، هذا اعتداء جلل؛ فدولة قطر ليست طرفًا في الحرب، وقد استضافت مقر قيادة الحركة بناءً على تنسيق دولي سابق. ومن ثمّ، فمستنكر أن تنتهك دولة الاحتلال سيادة دولةٍ أخرى، وتخترق أجواءها وتروع المدنيين، لا سيما وأن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة تقع في الدوحة — قاعدة العديد — والتي تُشغّل أنظمة رادارية متقدمة لمنع أي اختراق معادٍ. هذا يثير علامات استفهام عن مدى علم أو موافقة الأجهزة الأمريكية على الانتهاك الإسرائيلي، لا سيما في ظل التنسيق العسكري والاستخباراتي المعروف بين واشنطن وتل أبيب.
أثار هذا الاعتداء غضب الشارع العربي عامةً والقطري خاصةً، وأربك الموقف الداخلي للحكومة القطرية التي تعتمد إلى حدٍ كبير على الحماية والتحالفات الأمريكية. كانت تلك الضربة بمثابة خذلانٍ لا يقتصر أثره على قطر وحدها، بل يطال كل الدول التي فتحت أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية ظنًا منها أنها ستلقَ الحماية المرجوّة.
ومن المهم تذكُّر أن الساسة المصريين أدركوا منذ منتصف القرن العشرين ضرورة الجلاء الكامل للمستعمر والاعتماد على جيشٍ وطني قادر على حماية الأرض. فقد رُفع اقتراحُ إقامةِ حلف دفاعٍ إقليميّ تحت رعايةٍ غربية، وأُبرمت معاهدة دفاعٍ عربيٍ مشترك بين دول الجامعة العربية عام 1951، لكنها عمليًا لم تُفعل عسكريًا طوال عقود الاعتداءات الصهيونية المتعاقبة. ظل التعاون العربي محدودًا غالبًا إلى بيانات تنديد، دعم مالي، وتنسيقٍ عسكريٍ ثنائي أو إقليمي خارج إطار المعاهدة الجامعة.
دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى تفعيل المعاهدة في مارس 2015 خلال قمة شرم الشيخ (القمة العربية الـ26) لمواجهة التهديدات الإرهابية، ولاحقًا عند بدء عملية "عاصفة الحزم"، مشدِّدًا على أن ما يجري في المنطقة يفرض تفعيل آليات دفاعٍ مشترك. ورغم موافقة عدد من الدول مبدئيًا، بقيت الخلافات حول آليات القيادة، التمويل ونطاق التدخل حجر عثرة أمام التنفيذ الفعلي.
وفي المؤتمر العربي ـ الإسلامي بالدوحة جُدِّدت هذه الدعوات، لكن الوفود اختلفت: دول داعِمة لاتخاذ إجراءات دفاعية مشتركة وتشديد العقوبات على إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا (مثل السعودية والإمارات)، وأخرى معتدلة تفضّل الدبلوماسية والوساطة (مثل قطر، الكويت، عمان، والأردن). وفي ختام المؤتمر اقتُصر الموقف على بيان شجب واستنكار، مع تهديدٍ رمزي بإلغاء معاهدات سلام قائمة أو قيد البحث، دون اتخاذ إجراءاتٍ حاسمة. وقد فاجأ التصريح القطري الذي دعا لتفعيل الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة الشارع العربي، وأثار موجة استنكار واسعة.
هذا يفتح تساؤلاتٍ مهمة حول موثوقية التحالفات الحالية: فهل من الحكمة أن تدفع دولٌ عربية ملياراتٍ لحمايةٍ لم تثبت فعاليتها عمليًا، بينما يبدو أن الاعتماد على قوى خارجية قد لا يمنح الحماية المطلوبة؟ التخلي عن الحماية الأجنبية والاعتماد على دفاعٍ وطني فعّال يتطلب سنواتٍ من بناء القدرات، لكنه ليس مستحيلاً إذا توافقت الإرادات العربية.
مصر، بلا شك، تستطيع المساهمة بتقنياتها وتدريباتها وخبراتها لصالح أشقائها العرب، وتدعم بناء قدراتٍ دفاعية مشتركة تُهيئ الدول للوقوف صفًا واحدًا أمام أي عدوان. كما أن التعاون وتبادل الخبرات قد يتمّ دون أن يتحوّل جنود بلدٍ واحد إلى مرتزقة لدى آخرين؛ فالمسألة مسألة كرامة عربية وقومية قبل أي اعتبار آخر.
من جهةٍ أخرى، فإن تهديد رئيس وزراء إسرائيل بإعادة الضرب على قطر أو على أي دولة تستضيف قيادات حماس يُبرز الحاجة الملحّة لوضع خطة عربية مرحلية لتقوية القدرات الدفاعية المشتركة (برامج تدريب، مشاركة معلومات استخباراتية، وإطار تمويل واضح)، لكي لا تبقى دول المنطقة أسيرة سياساتٍ خارجيةٍ لا تضمن مصالحها، ولا تضطر لتطبيق الحكمة الإغريقية القديمة: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق