التدخل الأمريكي في فنزويلا: بين ذريعة مكافحة المخدرات وحقيقة الصراع على الموارد
شهدت السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا خلال السنوات الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق، بلغ ذروته عقب استقالة الجنرال الأمريكي فن هولس، القائد السابق للقوات الأمريكية الخاصة في أمريكا الوسطى والجنوبية. وقد فجّرت هذه الاستقالة تساؤلات خطيرة حول حقيقة العمليات العسكرية التي نُفِّذت داخل فنزويلا، والأهداف الفعلية الكامنة وراءها.
أولًا: استقالة الجنرال فن هولس وكشف التناقضات
عقب تقديم استقالته، صرّح الجنرال فن هولس بأن العمليات العسكرية التي كانت تُدار ضد فنزويلا لم تكن واضحة الإطار، وأنها فُرضت بطابع قسري على السلطة الحاكمة، تحت لافتة مكافحة المخدرات، رغم غياب أدلة ميدانية قاطعة تبرر هذا الحجم من التدخل العسكري.
كما أشار إلى وجود خلافات حادة مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، انتهت بمشادة مباشرة دفعته إلى الاستقالة، في ظل تحفظات عسكرية وأخلاقية على المسار المتبع.
ثانيًا: فنزويلا… دولة نفطية بامتياز
لا يمكن فهم ما يجري في فنزويلا بمعزل عن موقعها الاستراتيجي، إذ تمتلك:
أكثر من 300 مليار برميل من النفط (أكبر احتياطي عالميًا)،
ثروات طبيعية أخرى ذات أهمية استراتيجية.
ووفق معدلات الاستهلاك العالمية المتوسطة، فإن هذه الاحتياطيات تكفي العالم لقرابة ثماني سنوات، ما يجعل فنزويلا هدفًا رئيسيًا في معادلة الطاقة الدولية.
ثالثًا: الحشد العسكري الأمريكي وتناقض الرواية الرسمية
رغم التأكيد الأمريكي المتكرر بأن الوجود العسكري يندرج في إطار «مهام تدريبية»، إلا أن الواقع كشف عن:
سفن حربية،
حاملات طائرات،
آلاف الجنود،
طائرات مقاتلة،
طائرات استطلاع ومسيّرات متطورة.
وهو ما يتناقض جذريًا مع طبيعة المهام المعلنة، ويشير إلى أهداف تتجاوز التدريب أو التعاون العسكري التقليدي.
رابعًا: ذريعة المخدرات… قراءة واقعية
تُعد حجة مكافحة المخدرات الركيزة الأساسية في الخطاب الأمريكي، غير أن التحليل الموضوعي يفضح ضعف هذه الذريعة:
1. الهيروين
يُنتج أساسًا في:
أفغانستان
ميانمار (المثلث الذهبي)
المكسيك
لا يُنتج في فنزويلا.
يهرَّب عبر آسيا وتركيا والبلقان أو باتجاه الولايات المتحدة.
2. الكوكايين
يقتصر إنتاجه على:
كولومبيا
بيرو
بوليفيا
فنزويلا ليست دولة إنتاج، بل تُستغل أحيانًا كـدولة عبور فقط بسبب موقعها الجغرافي.
3. الفنتانيل
مخدر صناعي بالغ الخطورة.
يُصنّع أساسًا في المكسيك باستخدام مواد أولية من الصين وآسيا.
لا علاقة لفنزويلا بإنتاجه.
وعليه، فإن ربط فنزويلا بتجارة المخدرات العالمية يفتقر إلى الدقة القانونية والواقعية، ويُستخدم كغطاء سياسي للتدخل.
تقرير تقييم التهديدات
للمخدرات الصادر عن إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA)
تقرير سنوي تصدره DEA يوضّح أن المنظمات المكسيكية هي من بين أهم منتجي المخدرات غير المشروعة في العالم بما في ذلك الفنتانيل والهيروين والميثامفيتامين.
هذا التقرير يعكس تحليلًا رسميًا لوضع الإنتاج والتهريب من منظور الولايات المتحدة. �
DEA
الخطة الوطنية لمكافحة المخدرات في الولايات المتحدة
تصدرها Office of National Drug Control Policy (مكتب السياسة الوطنية لمكافحة المخدرات) وتتضمن أهداف وأولويات في مكافحة إنتاج وتهريب المخدرات مثل الكوكايين والهيروين والفنتانيل.
تتضمن خطة الحكومة الأمريكية الاهتمام بكل من المخدرات النباتية والصناعية في استراتيجية موحدة. �
The White House
تصريحات البيت الأبيض الأمريكي
تصريح من مسؤول أمريكي في White House Office of National Drug Control Policy يشير بوضوح إلى أن مكافحة إنتاج وتهريب الكوكايين ورغم التركيز المتزايد على الفنتانيل تبقى أولوية بالنسبة لهم. �
خامسًا: الهدف الحقيقي – إسقاط النظام والسيطرة على الموارد
منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، سعت الإدارة الأمريكية إلى إسقاط نظام نيكولاس مادورو باعتباره:
نظامًا اشتراكيًا،
حليفًا لروسيا والصين،
عائقًا أمام النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية.
وقد جرى:
استغلال الانقسامات الداخلية،
محاولة تأليب الجيش،
الضغط الاقتصادي، لكن فشل هذه الأدوات أدى إلى الانتقال لسياسة الضغط العسكري المحكم.
سادسًا: المفاوضات السرية وصفقة النفط المرفوضة
كشفت تقارير عن مفاوضات غير معلنة قادها ريتشارد غرينيل، مبعوث ترامب، تضمنت عرضًا فنزويليًا يشمل:
فتح الاقتصاد أمام الشركات الأمريكية،
تقليص التعاون مع روسيا والصين،
تصدير النفط إلى الولايات المتحدة بأسعار تفضيلية،
منح استثمارات قد تتجاوز تريليون دولار.
ورغم الإغراءات الاقتصادية الهائلة، رفضت إدارة ترامب الصفقة، مفضلة خيار تغيير النظام بالكامل.
سابعًا: دور المعارضة وماريا كورينا ماتشادو
برز دور ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الملقبة بـ«المرأة الحديدية»، والتي ينظر إليها كأداة سياسية لتسهيل:
انتقال السلطة،
إعادة توجيه صادرات النفط،
فتح الموارد الطبيعية أمام الولايات المتحدة.
حاليًا، تنتج فنزويلا قرابة مليون برميل يوميًا:
90٪ تُصدَّر إلى الصين،
10٪ إلى الولايات المتحدة،
بينما يمكن رفع الإنتاج إلى 3 ملايين برميل يوميًا حال ضخ الاستثمارات، وهو جوهر الصراع الحقيقي.
ثامنًا: ازدواجية المعايير – فنزويلا مقابل غزة والسودان
يثير هذا التدخل تساؤلًا أخلاقيًا وقانونيًا بالغ الخطورة:
لماذا تتحرك الولايات المتحدة في فنزويلا؟
ولماذا تصمت أو تدعم بشكل غير مباشر الانتهاكات في:
قطاع غزة،
السودان؟
الإجابة تكمن في منطق المصالح لا القيم، حيث تُستخدم حقوق الإنسان كشعار انتقائي لا كالتزام قانوني.
تاسعًا: مخالفة صريحة للقانون الدولي
إن ما يحدث يمثل:
انتهاكًا لمبدأ السيادة،
خرقًا لميثاق الأمم المتحدة،
تجاوزًا لقواعد عدم التدخل.
ومن ثم، فإن على:
المجتمع المدني،
المنظمات الحقوقية،
مجلس الأمن الدولي،
الاضطلاع بدورهم في حماية الدول، سواء كانت أعضاء أو غير أعضاء، ومنع التدخل العسكري غير المشروع.
خاتمة
تكشف الأزمة الفنزويلية عن حقيقة النظام الدولي القائم على القوة والمصالح، لا على العدالة والقانون. واستمرار هذه الازدواجية يهدد السلم والأمن الدوليين، ويحوّل القانون الدولي إلى أداة انتقائية، تُستخدم ضد الضعفاء وتُعطَّل أمام الأقوياء.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق