في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها مصر، تكتسب الانتخابات أهمية خاصة باعتبارها وسيلة للحفاظ على الأمن القومي والاستقرار، من خلال مشاركة المواطنين في اختيار قادة يعبرون عن مصالحهم. لذلك نتمنى أن تشهد الانتخابات المقبلة نزاهة وضميرًا حيًّا، حتى نرى مجلسًا يمثل الشعب بحق.
عندما تُجرى الانتخابات النيابية الجديدة في مصر، سواء «مجلس الشيوخ» أو «مجلس النواب»، فإن أنظار العالم تتجه إليها لما تمثله من حجر الزاوية في المنطقة، خصوصًا أن مصر كانت وما زالت رائدة الحياة النيابية في الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر. وهذه الانتخابات ليست مجرد حدث سياسي دوري، بل هي اختبار جاد لمدى التزام الدولة بتكريس الحياة الديمقراطية، وتجديد دماء المؤسسات التشريعية، وترسيخ مفهوم التمثيل الشعبي الفعلي.
والبداية دائمًا من المرشح، فالنائب ليس رجل دعاية، ولا وسيط خدمات، ولا صاحب وجاهة اجتماعية، بل هو ممثل الشعب داخل البرلمان، وحارس الدستور، ومُحاسِب الحكومة، وصوت المواطن أمام السلطة التنفيذية. لذلك، من يدخل هذا الميدان يجب أن يتعامل معه كجندي في معركة الوعي والتشريع والمحاسبة، لا كمستثمرٍ يبحث عن مكاسب شخصية أو واجهة سياسية. فالمنصب النيابي لم يعد يحتمل المجاملة أو الاستعراض.
إن ما نحتاجه في البرلمان القادم ليس مزيدًا من الأسماء اللامعة، بل عقولًا وطنية تمتلك رؤىً حقيقية ومشروعات سياسية ومجتمعية قابلة للتطبيق. فالكفاءة لم تعد ترفًا، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الثقة الشعبية في العملية السياسية. ولذا يجب وضع معايير صارمة لاختيار المرشحين، بحيث يُدار الوطن بالعقول والخبرات لا بالمصالح الضيقة.
النائب المثالي يجب أن يتمتع بعدة مؤهلات أساسية: الوعي السياسي والدستوري لفهم دوره في التشريع والرقابة، الخبرة المجتمعية للتفاعل مع قضايا المواطنين، الاستقلالية الفكرية لاتخاذ قرارات وطنية بعيدة عن الضغوط والمصالح الخاصة، إضافة إلى القدرة على الحوار والمساءلة. فالنائب الذي يدخل البرلمان بلا كفاءة سيقضي سنواته مدافعًا عن مصالحه الشخصية، لا عن مصالح الشعب، وهو ما يحوّل المجلس من منبر للرقابة والتشريع إلى غرفة خلفية لتصفية الحسابات.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في ضعف الأحزاب السياسية في مصر، حيث تفتقر معظمها إلى الفاعلية والرؤية. فالحياة الحزبية إما مقيدة بالقوانين والبيروقراطية، أو محاصرة بعزوف شعبي، أو مرتهنة لتحالفات مشوهة لا تعبّر عن إرادة الشارع. ومن هنا فإن برلمانًا قويًا لن يأتي من مرشحين مستقلين فقط، بل من أحزاب تمتلك قواعد جماهيرية وتنظيمات حقيقية وبرامج واضحة. وإذا لم تنهض الأحزاب من أزماتها، فإنها ستبقى مهددة بالغياب عن المشهد السياسي.
إذن، الشعب يريد برلمانًا يُشبهه: بآماله وتنوعه وتحدياته، برلمانًا لا يُقصي الشباب ولا يُهمش المرأة ولا يغلق الأبواب أمام الكفاءات المستقلة. فالبرلمان بغرفتيه ليس ناديًا اجتماعيًا أو وسيلة لتحقيق امتيازات، بل هو مؤسسة رقابية وتشريعية. والناخب حين يمنح صوته فهو يفوض النائب للدفاع عن قضاياه، لا للانضمام إلى نخبة منعزلة.
نحن اليوم أمام لحظة فارقة: إما أن نستثمرها لإعادة بناء الثقة في العملية السياسية، أو نفرط فيها. فالانتخابات النيابية القادمة ستكون محطة مهمة للتعبير عن الإرادة الشعبية، وبناء عقد اجتماعي متجدد بين المواطن والدولة. لذلك، على الناخب أن يُدرك أن صوته أداة التغيير الأهم، وألا يمنحه إلا لمن يملك مشروعًا وطنيًا حقيقيًا يضمن مستقبلًا آمنًا وكريمًا للأجيال القادمة.
فالانتخابات القادمة ليست اختبارًا للمرشحين وحدهم، بل اختبار للوطن بأسره: هل نريد مستقبلًا أفضل؟ أم نكتفي بإعادة إنتاج الفشل؟
إن برلمانًا بلا مرشحين مستقلين أقوياء، وأحزاب حقيقية ذات قواعد شعبية، سيظل مجرد تشكيلات فردية ومصلحية لا تعكس التنوع السياسي والاجتماعي في مصر. وما يهم المواطن في نهاية المطاف هو أداء البرلمان ومدى قدرته على تحقيق تطلعاته وآماله.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق