إلى من يهمه الأمر: الذين يضحكون وهم متعبون
إلى من يهمه الأمر: الذين يضحكون وهم متعبون
وصل قبل الموعد بدقائق.
جلس في المقعد القريب من الحائط، المكان الذي لا يلفت الانتباه.
مرّر يده على وجهه كأنه يمسح آثار يوم طويل،
ثم ابتسم فور أن لمحهم يدخلون،
ابتسامة جاهزة، مجرَّبة، لا تخذله أبدًا.
سألوه عن العمل، عن الأخبار، عن كل شيء إلا الشيء الوحيد.
أجاب كما يجب،
ضحك في الأماكن الصحيحة،
هزّ رأسه بتفهم،
وقال: «تمام الحمد لله» أكثر مما شعر بها.
كان يستمع،
لكن صوته الداخلي أعلى.
تعبٌ لا يعرف من أين بدأ،
أيام تتشابه،
ومسؤوليات تُضاف دون أن يُسأل إن كان لا يزال قادرًا.
عندما انقطع الخيط في الحديث لثوانٍ،
نظر إلى فنجان القهوة أمامه،
باردًا كما تركه منذ البداية.
نسي أن يشربه،
كما نسي كثيرًا أشياء تخصه وحده.
رنّ هاتفه، لم يكن أحدًا.
أغلق الشاشة بسرعة،
وكأن خيبة صغيرة لا تستحق أن تُرى.
ثم عاد للضحك،
الضحك الذي لا يطلب شيئًا من أحد.
في نهاية اللقاء،
قال: «لازم أمشي بدري»،
لم يشرح، لم يعتذر،
جمع نفسه كما يجمع أوراقًا مبعثرة،
وخرج.
في الشارع،
توقف قليلًا.
لم يكن هناك أحد يراه.
انحنى كتفيه لأول مرة،
وتنفّس بعمق،
تنفّس شخص لم يكن يملك رفاهية التعب في الداخل.
ثم استقام،
وضبط ملامحه،
ومشى…
كأن شيئًا لم يحدث.
هؤلاء الذين يضحكون وهم متعبون
لا يحتاجون من يصف لهم قوتهم،
بل من يلاحظ صمتهم.
أحيانًا، أعظم دعم يمكن أن تقدمه لإنسان
هو أن تجلس بجانبه
دون أن تطلب منه أن يبتسم.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق