كان الزميل الراحل الأستاذ سامي متولي، مدير تحرير الأهرام ودينامو الجريدة، يقوم بالاتصال هاتفيًا بالأستاذ إبراهيم نافع، نقيب الصحفيين ورئيس تحرير الاهرام ، عندما يتزامن موعد عقد اجتماع مجلس النقابة مع موعد طباعة الجريدة، لعرض ما تتضمنه الصفحة الأولى قبيل الأمر بالطبع.

 

تصادف أن سمعته مرة أثناء الاتصال به وهو يقول: "لا يا سامي، شيل المانشيت ده وغيره بحاجة تانية". وفهمت من المناقشة أن المانشيت مرسل من جهة سيادية، فكان الرد الحاسم "شيله يا سامي، ملكش دعوة".

بعد انتهاء المكالمة، أجرى نافع اتصالًا مع رئيس هذه الجهة ليؤكد له أن الخبر لن يكون على صفحات الأهرام غدًا، وشرح له أنه غير مناسب ويحقق عكس المطلوب منه، ثم استكمل "أنا في اجتماع بالنقابة، وبعدين أبقى أشرح لك".

أتذكر ذلك الآن والحديث دائر عن احتفالية بلوغ جريدة الأهرام للعام المائة والخمسين. كما أتذكر كثيرًا من مواقف مماثلة لبعض رؤساء التحرير الذين كان النظام يثق فيهم ويدينون له بالولاء. كانوا يعتبرون أنفسهم شركاء خلصاء للنظام فيما يتعلق بطبيعة عملهم ودورهم، ولتحقيق ذلك تُرك لهم حرية التقدير واختيار الطريقة وكيفية التأثير.

يعني، "كل واحد كان بيشتغل شغلانته ويؤدي دوره، لأنه ما ينفعش حد يشتغل كل الأدوار، لأن كل مهنة لها أدواتها علشان تحقق اللي أنت عايزه منها" .

إذا كان الوضع يغري لأحد الأطراف أن يتصور أنه يأمر فيطاع، فإن النتيجة الحتمية عندما تواجه الدولة تحديات أو تخوض معارك هي فقدان ظهير إعلامي قوي. كأننا قد خسرنا قوة جبارة وجيش حقيقي مكبل بأوضاع مهنية واقتصادية واجتماعية بلغت حد الخطر، ولا نملك غير الأسى والإحساس بالفقد بعد انتهاء عهد القوة الناعمة التي كانت- رغم كل الانتقادات عن ديمقراطية الهوامش- قادرة ومؤثرة ومتصدية وتحظى بثقة قطاعات كبيرة.

مازال يحدونا الأمل أن نستعيد بعض هذه المكانة، فهذا ما نستحقه، فتاريخ صحافتنا يزيد عن أعمار بعض الدول.

من صفحة الكاتب الصحفي يحيى قلاش نقيب الصحفيين الأسبق على فيسبوك