حينما طبّق ترامب التعريفات الجمركية بمنتهى السعادة والبهجة المنبعثة من صدره، بنسبة متفاوتة تتراوح من 10 إلى 43%، لم يكن يدرك أن تلك اللحظة كانت بمثابة إعلان حرب تجارية عالمية.

حربٌ تكررت سابقًا في أمريكا وأوروبا، وأسفرت عن سقوطٍ مدوٍّ للأسواق الأمريكية لم يشهد له مثيل منذ الكساد العظيم عام 1929، في أكبر أزمة أمريكية أدت إلى المجاعة وأحداث شغب، ولم تنتهِ إلا بمساعدات واستثمارات أوروبية.

وبعد تلك المساعدات، عملت الولايات المتحدة على "رد الجميل" بطريقتها الخاصة، حيث قاد البروفسور جون كينز عقب الحرب العالمية الثانية وضع أسس الرأسمالية النيوليبرالية، التي رسخت نظام التراشق الاقتصادي، والذي تسبّب لاحقًا بكوارث متلاحقة أبرزها أزمة رفع التعريفات الجمركية على الدواجن المصدّرة من أمريكا إلى أوروبا، في وقتٍ زاد فيه الاستهلاك الأوروبي بنسبة 1.5%.

تفاجأ الأمريكيون برد صاعق: فرضت أوروبا تعريفات جمركية بنسبة 2.25%، ثم بدأت تدريجيًا في الاستغناء عن الواردات الأمريكية، مما أصاب السوق الأمريكي بإحباطٍ بالغ، نتيجة ما يمكن وصفه بـ"الجزاء العادل".

درسٌ قاسٍ للرأسمالية النيوليبرالية

جاءت هذه الواقعة لتكون درسًا مريرًا بأن النظام الرأسمالي يحمل في طياته قوة مدمرة قد تنقلب عليه. وكما كتب البروفيسور الأمريكي الشهير ريتشارد وولف في حواره مع طارق علي:

"الرأسمالية هي السبب الرئيسي للكوارث الاجتماعية من فقر وبطالة وحروب تجارية، ولا تهدف إلا لهيمنة قوى على حساب أخرى."

قرارات ترامب المثيرة للجدل خلّفت ردود أفعال دولية غاضبة، فتحولت الولايات المتحدة من قطب موحد إلى قطبٍ سلبي مهدد بالانقسام.

الكساد يعود من جديد... ولكن بثوب مختلف

استمر تأثير تلك السياسات في نسيج المجتمع الأمريكي، اقتصاديًا واجتماعيًا. فتم رفع الأسعار بشكل جنوني، وانخفض الاستهلاك، وتعطّلت حركة السوق. حتى إن اقتصاديين بارزين مثل ميلتون فريدمان وجون كينيث جالبريث أكدا أن أزمة الكساد العظيم كانت ذات ظلال طويلة امتدت لعقود، ووصلت ذروتها في أزمة وقف تصدير النفط العربي للغرب في السبعينيات.

وقد أشار خبير اقتصاديات النفط دانييل ألمرجو إلى أن الكساد العظيم كبّد أمريكا خسائر أربعة أضعاف ما خلفته أزمة النفط العالمية.

ترامب... من التاجر إلى مهندس الإقطاع الجديد

في يوم 3 أبريل، وفي خطوة مفاجئة، أعلن ترامب فرض تعريفات جمركية تتراوح بين 10 إلى 46% على منتجات من 180 دولة. وهو ما أطلق نذير حرب تجارية عالمية.

مارك بليث، أستاذ الاقتصاد الدولي، حذّر من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى:

انخفاض كبير في قيمة الدولار،

تفكك التحالفات الاقتصادية العالمية،

عودة الاقتصاد إلى ما يشبه نظام القرن التاسع عشر الإقطاعي.

تهديد للنظام الدولي

هذا الانحدار لم يكن فقط اقتصاديًا، بل امتد ليطال التركيبة الاجتماعية والسياسية في أمريكا، حيث باتت الطبقة الوسطى والفقيرة مهددة بالانقراض، خصوصًا في ظل الاعتماد على التكنولوجيا على حساب العنصر البشري.

وقد فقدت أمريكا خلال هذه المرحلة جزءًا كبيرًا من مصداقيتها الدولية، وظهر ذلك في التوترات مع أوروبا، التي بدأت تتخذ مسارًا استراتيجيًا وأمنيًا مختلفًا عن واشنطن، في مشهد يذكّر بانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك يوغوسلافيا.

مؤشرات الانهيار تقترب

تزايدت المؤشرات الخطيرة، خاصة مع:

خسائر ضخمة في البورصة الأمريكية،

انخفاض أسهم شركات عملاقة مثل أمازون، نفيديا، مايكروسوفت بقيم تصل إلى 130 مليار دولار،

تدهور في سمعة حزب ترامب، وتعاظم دور التيارات اليسارية المناهضة له،

واستمرار فشل إدارة جو بايدن في تقديم بديل فعّال.

خاتمة: نحو نظام عالمي جديد أم مجرد فوضى مؤقتة؟

لا يمكن فصل سياسات ترامب عن التحولات الجذرية التي قد تصيب النظام الدولي. البعض يراها مجرد إجراءات مؤقتة، لكن آخرين يرونها مقدمات لانهيار مؤسسات كانت تُعتبر حصونًا للديمقراطية الليبرالية.

وقد عبر المحلل السياسي كريس هيدجز عن هذا التحول بقوله:
"ميلاد الفاشية الحديثة ليس سوى محاولة لتمكين الاستبداد تحت غطاء ديمقراطي هش."

ترامب، في ظل غياب مستشارين أكفاء واعتماد سياساته على القوة والتهميش، يسير بأمريكا نحو عزلة خانقة، ستكون لها ارتدادات قاسية على الداخل الأمريكي والعالم بأسره.