قبيل الحرب المشتعلة حاليًا بين إيران وإسرائيل، كان من المفترض أن تُكمل الولايات المتحدة مفاوضاتها مع إيران حول الأسس المطلوبة منها لإرضاء الغرب بصورةٍ ما، تمهيدًا لإكمال مشروعها النووي السلمي، الذي طالما قوبل برفضٍ غربي ودولي قوي. وكان السبب في هذا الرفض هو إسرائيل، التي لا ترغب في أن تمتلك قوةٌ أخرى قدرات نووية في الشرق الأوسط.
مارس ترامب لعبته الخبيثة والحقيرة، بتشديد موقفه وإظهار الابتعاد عن المفاوضات، لا سيما بعد جولته الأخيرة في الخليج العربي.
في السياق ذاته، وافقت إيران على اتفاقية ردع استخدام الأسلحة النووية في عهد أوباما عام 2015، مع إصدار فتوى محرّمة من المرشد الأعلى خامنئي لسببين: أولهما طمأنة الغرب والمجتمع الدولي بعدم الإقدام على خطوةٍ قد تهدد الكيان الإسرائيلي بشكل مباشر، وتشكل منافسًا له في المنطقة. ولهذا، أبدى ترامب عداءً واضحًا لها، وانسحب من البرنامج النووي الإيراني بطريقة غريبة لا تمت للدبلوماسية بصلة، في ظل انهيار كامل لفكرة التفاوض، بعد أن اغتال أحد أهم رجال إيران بقصفٍ صاروخي في العراق مطلع عام 2020.
لكن الطوفان غيّر حسابات الإرادة الأمريكية تجاه إيران، بطريقة ماكرة، عبّر عنها المستشار السياسي لخامنئي، كمال خُزَرَجي، بقوله: "بأن هناك سبيلًا لتغيير عقيدتنا النووية".
بدأت هذه السلسلة من الإجراءات العدائية بمحاولة تهديدات أطلقها بايدن، ثم عقوبات مشددة على طهران، حتى عاد "الرئيس المجنون" (ترامب) إلى المشهد، فدخل مع إيران أربع جولات تفاوضية، هدفها -بحسب البعض- إعطاء الكيان الإسرائيلي فرصة لتجهيز ضربته الاستباقية.
ولعل هذا ما أكّده الدكتور حسين سيد موازفين، منسق برنامج الأمن النووي والدولي، في مقالٍ يحث فيه على صفقة لتجنّب الحرب، وصفها بأنها: "صفقة يربح فيها الطرفان معًا".
وفي تقريرٍ لصحيفة نيويورك تايمز، أكّد الصحفيان المخضرمان روجان رونين وإريك شميت، بمشاركة صحفيين آخرين، وجود شقاق داخل الإدارة الأمريكية بشأن تنفيذ إسرائيل لتلك الضربة القاصمة، حيث اعترض نائب ترامب جي دي فانس، وكذلك ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، بينما وافقت عليها تولسي غابارد، رئيسة المخابرات الأمريكية، ومستشار الأمن القومي أيضًا. لكن الخلاف حُسم بعد مكالمةٍ طويلة بين ترامب ونتنياهو.
تلك المكالمة هي التي دفعت ترامب إلى الانقلاب على مواقفه في الجولة السادسة من المفاوضات، إذ أمر بإخلاء السفارات جزئيًا، وسحب بعض القوات من القواعد العسكرية، تاركًا نتنياهو يهاجم إيران بحريةٍ كاملة، محدثًا ضررًا وألمًا كبيرًا في صفوف القادة العسكريين الإيرانيين وبعض أبرز علماء الذرة، في محاولةٍ لإسقاط النظام هناك وزعزعة العمل في البرنامج النووي الإيراني. بعبارة أخرى، نفّذ ترامب ونتنياهو خطة خداع استراتيجي كبرى، ما لبث أن ردّت عليها إيران بضربات تخطّت حدود الرد التقليدي، وقلبت ليل الاحتلال إلى سماءٍ مشعّة ودماء مسكوبة.
ليالٍ دموية وخسائر فادحة: الدك الإيراني يخترق كل أراضي الاحتلال
قصفت إيران في ليلتين متتاليتين مواقع استراتيجية حيوية، مثل مصافي الغاز، ومخازن الوقود، ومبنى وزارة الدفاع الإسرائيلي، بالإضافة إلى أهداف ذات جدوى كبيرة مثل يات يام ورتسمان ليستون، مستخدمة صواريخ فرط صوتية وبالستية، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 400 آخرين، بحسب ما أوردته صحف ومواقع عدة، منها حدشوت بزيمان، معاريف، وهآرتس، فضلًا عن استهداف قلب الاحتلال النابض: تل أبيب الكبرى.
وعلى ما سبق، قذفت إيران أيضًا مركز وايزمان للأبحاث، الذي يضم العديد من المجالات البحثية في الزراعة والكيمياء والفيزياء والعلوم الاستراتيجية. ولا يدخل هذا المعهد إلا حاملو الجنسية الإسرائيلية، نظرًا لارتباطه الوثيق بالتجنيد في مراكز استخباراتية حساسة مثل الموساد، كما يحظى بدعمٍ مالي كبير من المنظمات الصهيونية واللوبيات المؤثرة، ويقدم للموساد ووزارة الأمن القومي خدمات عسكرية ولوجستية بالغة الأهمية.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق