بشكل موسع ومكثف، أعلنت وزارة الأمن القومي الأمريكي عن حملات للقبض على مئات المهاجرين غير الشرعيين تحت مسمى أنهم تهديد "مروع"، ويستولون بكامل طاقتهم على أغلبية الموارد الاقتصادية دون معرفة أو بتجاهل معتمد أن المهاجرين عمود فقري في بناء الاقتصاد الأمريكي لأنهم يعملون في الوظائف الصغيرة والحرف اليدوية التي ينأى الأمريكيون عن العمل بها، مكملًا قصة طويلة بدأت منذ حملته الانتخابية لظنه المزيف أن تلك الطاقة البشرية عبء اقتصادي مأساوي على الولايات المتحدة.
وعلى خلاف ما يُروج، فإن تلك السياسة منظمة ومحددة، لتتوسع المظلة المنطوية تحتها بالفعل البلدان المحاربة، مصدرًا بعض القوانين الخاصة بمنع المهاجرين من الدخول أو غلق أشغالهم، أو باحتمالات أخرى مثل فرض عقوبات كبرى على دول مصدرة للعقول والطاقات الضخمة مثل البرازيل وروسيا وحتى بعض الدول العربية والإسلامية كباكستان واليمن على سبيل المثال، ما يثير تساؤلات جدية حول الاستقرار الاقتصادي والسياسي التي لا ينفك ترامب يوجه الأزمة لوجه أكثر ضيقًا وأوسع إشكالية، جعلت المحكمة العليا الأمريكية تلغي بعض القرارات الخاصة به لعدم دستوريتها وإجحافها الصارخ.
وتندرج تلك الحملة الشعواء على المهاجرين ضمن وعود عديدة أطلقها ترامب في الحملة الانتخابية من أجل تخليص بلاده المتقدمة من أولئك الخاسرين الفقراء الذين لم يحققوا غير الأعباء الاقتصادية والمشكلات المضرة للاقتصاد الأمريكي نفسه، وهذا الإقصاء الفج كُلّل بمظاهرات عارمة تطورت لاشتباكات عنيفة مع الشرطة في لوس أنجلوس في بداية يونيو الماضي، غير التوغل في إصدار قوانين الهجرة وتفعيل وحدة أمنية خاصة تسمى بوحدة الأمن الداخلي والجمارك، من اختصاصاتها القانونية القبض العشوائي على متهمي الهجرة، ولعل تلك الحالة المرضية هي التي أسماها الأستاذ الفخري للأدب المقارن حميد دباشي "رهاب الغرباء الأمريكي".
وفي هذا الصدد، يجدر الذكر بأن ترامب يطبق نظرية الانعزال القسري، مستخدمًا كل الوسائل المتاحة لديه، بدءًا من اتخاذ المهاجرين جميعًا كموضع هجوم، غير رمي الكوارث الاقتصادية والسياسية الداخلية عليهم في رسالة صريحة وفجة الدلالة لهم في الاستهداف المباشر وتحويل الولايات المتحدة لدولة منكفئة على ذاتها، وتتزامن هذه الاتهامات والتهديدات مع تحويل ترامب الأمر لحرب ضاربة بينه وبين المهاجرين بحجج مختلفة من خطورتهم على الأمن، فضلًا عن استخدامه المكثف للشيطنة الأيديولوجية التي تصنف فقط على أساس هش وضعيف قائم على التهديد والتخوين المحض لمجرد إقامتك في الولايات المتحدة.
وبالتزامن مع تلك السياسة الكارثية، يواجه الرئيس المذبذب بحق سلاسل من الأزمات المركبة والمعقدة، منها على سبيل المثال التمهيد الميداني للحرب الأهلية أو على الأقل الخسارة السياسية الفادحة، باعتباره ذلك صراعًا فكريًا أو عمليًا بين الحزبين، وهذا ما يعني قلب المعادلة للنقيض التام بتحويل المهاجرين لأعداء محتملين أو قنابل موقوتة للانفجار الوشيك، مطبقًا إياه بالعديد من الإجراءات الخشنة التي لا تنطوي على خير ولا ترمي لأي تطور وسط الركود المرعب السائد، فاقدة مزايا هامة واستراتيجية حيوية مربحة، بحسب الصحفي المخضرم مهدي حسن، لكن الرؤية الترامبية لديها أهداف قصيرة على الواسع.
التوقع الانتحاري والسقوط الحر: التكلفة الباهظة والمستقبلية المنعزلة
في مقال سابق في مجلة السياسة الخارجية، تستعرض الكاتبة المرموقة واليسارية دونا ذوكرنبيرج الرؤية الذاتية والشخصية لترامب بصفتها رؤية قائمة على السيطرة المطلقة والتحكم الشامل بالملف المختلف معه على تفاصيله كافة، لكن النقطة الأساسية في الاختلاف هي شوفينيته المريضة التي تنطلق، حسبما ذكر دباشي من قبل، من هاجس أمني لديه بأن المهاجرين اللاتينيين والعرب خاصة يمثلون إما تهديدًا جسيمًا أو احتمالية حدوث فوضى بالبلاد وشيكة، وتمنطق تلك الخرافات غير المرتبطة بأي سياق، غير انطباع شخصي مزخرف بالتبرير الذاتي والنرجسية المفرطة.
فخالف ترامب إرث الولايات المتحدة كلها في ملف المهاجرين اللاتينيين والعرب منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١، حيث بدأت إدارة بوش في التضييق البشع الذي توسع بشكل مرعب ليشمل أدق وأخص التفاصيل الشخصية في المنزل والعمل، حتى قال الفيلسوف الإيراني تريسي بارتي إن الإجراءات المتعلقة بالهجرة "مجنونة ومخالفة" للقانون الداخلي والقوانين المحلية، مكونة أرضية خصبة للإسلاموفوبيا المتضخمة والمستفحلة مع تزايد وتيرة كراهية اليمين المتطرف للغرباء، لدرجة جعلت الصحفيين المختصين بشؤون الهجرة والسياسة الخارجية نيك توريز وأندور كانوب يكتبان باستنكار عن توجه بوش على أساس أصولي ديني لا يمت لسياسة الصيغة بصلة قريبة.
وعطفًا على ذلك، تفاقم معدل الجريمة المنظمة والمقصودة ضد العرب والمسلمين بصورة كارثية ومخيفة، وصل لخمس حالات يوميًا من ضمن عشر جرائم يومية، أي أن الجرائم المتطرفة والمتحيزة أتت بمقدار يعادل النصف سنويًا، ما جعل الداعية فاضل سليمان يكثف دعوته الدينية في الولايات المتحدة للجميع حتى يحاول تقليل معدل الخوف والرعب المتجسد في جميع جوانب الحياة العملية والاجتماعية، لكن الاستهداف السياسي عمل أيضًا على تعزيز التربة المشوهة التي هدمت مفاهيم ليبرالية وإسلامية، منها مفهوم التسامح وتقبل الآخر بالصورة السائلة الحديثة المرادة في أغلب الأوقات.
وهكذا، كُلّل هذا التوجه المحاصر للمهاجرين من كافة الخلفيات شكلًا من أشكال الإقصاء والقمع الممنهج لأهداف سياسية تحددها أيديولوجية الحزب، أو بحد تعبير الصحفي المخضرم ناثان روبنسون "الهجرة الموجهة" في العالم، مستغلًا الأفكار اليمينية المتطرفة بحق، كالفكرة القائلة بالتهديد الخارجي من المهاجرين سواء كانت محل مولدهم، فالمهم "عدم دخول الفشلة الحمقى للبلاد كي لا تشوه التركيبة السكانية والاتجاه السياسي العام داخليًا وخارجيًا"، وهو ما يسمى نظريًا بالتوقع الداخلي الذي لا يفتأ أن يدخل بلدًا ما غير يتركها خربة أو في منحدر سريع، نهايةً مميتةً في القاع الأسفل من السياسة الإمبريالية.
وتلك الرؤى اشتعلت بشدة وقوة بسبب اختلال ترامب السياسي والعقيدة الداخلية التي نقضت جميع الوعود الوردية بدمج المهاجرين المسلمين واللاتينيين، وتوفير رخاء اقتصادي واستقرار سياسي هام وحيوي من شأنه تقدم الولايات المتحدة كافة والتركيز على فتح السوق لهم، لكن لم يظل طويلًا حتى تأكد أن هذه الوعود فقط من أجل الفوز بالفترة الثانية، وتحقيق "انعزالية حادة" بحد تعبير شلومي بن سامي، مع الاختلاط الفج بالصهيونية، ونتيجة لذلك، قلب التوجه الداخلي لمواجهة المهاجرين العرب والمؤيدين لفلسطين باعتبارهم "التهديد الأوحد لأمن إسرائيل" الخارجي، ما يشكل خطرًا بالغًا عليها داخليًا وخارجيًا في الشق الاجتماعي العملي.
الماركسية الجديدة: الولايات المتحدة بصفتها راعية للاستبداد الممنهج
في مطلع شهر فبراير، عندما أصدر دونالد ترامب القرار التعسفي باعتقال الطالب محمود خليل، الطالب الأمريكي الحامل للبطاقة الخضراء التي تحمل لصاحبها حق الإقامة الدائمة، تجدد الجدل السياسي حول عقلية ترامب المتفاعلة مع المهاجرين بالضرورة، وحول مصير الداعمين لفلسطين والمنددين بالحرب الإبادية المستمرة على غزة، مؤكدًا إياه بعد اعتقال الطالب محسن مهدواي، مبدعًا منهجًا استبداديًا من شأنه تحويل الولايات المتحدة لنسخة متشددة من المكارثية الجديدة، مطعمة بقرارات هوجاء وعقلية جوفاء.
وفي ذلك السياق، ترسخ الكاتبة البريطانية سمية الغنوشي تلك الرؤية المرتسخة في عقلية ترامب، لا بوصفها عقلية انعزالية شعبوية فقط، لكنها أيضًا نابعة من عقلية الرجل الغارقة في التناقضات وتحويل الولايات المتحدة لوجهة واحدة تحقق الربح السخي والغالي والمكمل لعقلية المحافظين الجدد التي ترى التهديد البالغ والخطر المحدق الذي يحيط بالمجتمع الأمريكي وموازناته الداخلية، التي دائمًا ما تصادم السلطة الحكومية والسياسية بكل ضراوة منذ حرب العبيد وانتهاء العبودية العرقية والعنصرية في الولايات المتحدة، ما يعيد للأذهان تلك المحطة الحاسمة من التاريخ الأسود المكتظة بالدماء والجثث الكثيرة.
فتلك السياسة الدائرية عبارة عن أجندة مؤدلجة بحرفية تامة وسطحية فائقة في آن واحد، ما يعني أنها مصممة بغرض وحيد يتمحور حول بث الرعب في فئات "مهمشة ومنبوذة"، حسبما أكد تقرير فريدي ستاديارد في مقال مطول تحت عنوان "القضاء على أمة أوباما"، في إشارة واضحة وصريحة تحمل دلالة صارخة على خدمة الأجندة المناهضة لليبراليين، أي بعبارة أخرى حول ترامب ملف الهجرة من محاولة جدية للانكفاء الذاتي لمراعاة موجهة لمؤيدي ترامب وداعميه الأساسيين، على رأسهم اللوبي الصهيوني الذي لا يفوت فرصة إلا بالتحريض المباشر والاتهامات الفارغة من أي منطق صلب، فضلًا عن تهمة قانونية موجودة.
فاستمرارًا لتلك السياسات الخانقة، قام ترامب بتضييق الحصار المحكم عليهم، بدءًا من ترحيلهم واعتقالهم الممنهج والقمعي، مرورًا بالمساومات الرخيصة على الأطفال بحرمانهم من رؤية ذويهم أو العكس، وتغذية مشاعر الكراهية لهم عبر وصمهم اجتماعيًا أو سبهم على الهواء، أو تخليدهم بصفتهم خطرًا على الأمن القومي. والسؤال المحير هنا: "إن كانت طاعة اللوبي في كل تفصيلة متعلقة بغزة من الأمن القومي الأمريكي، فما الذي يمنع من أن الحرب الأهلية الواردة من تلك السياسات المكارثية تتحقق واقعيًا؟" كما تؤكد الغنوشي نفسها في مقالها السابق، ولم تتم الإجابة الشافية حتى الآن عليه!
وفي الختام، حذر الكاتب وأستاذ العلوم السياسية المرموق ستيفن والت من احتمالية تحول الولايات المتحدة لساحة حرب عصابات بوتيرة أوسع من تلك المشهودة في لوس أنجلوس، متوقعًا، على منوال الباحثين جيسون ستانلي في كتابه محو التاريخ، وانزو ترافسيوزو في كتابه مجابهة الفاشية، أن "توسيع رقعة الفاشية الترامبية" سيقلب النسيج الاجتماعي المتوازن لخرقة بالية لا ملامح محددة ولا معايير لها، وهو ما يجابه بأشد الطرق القانونية صرامة وقوة من المحكمة العليا، لا لشيء بل لعلمها بأن تنفيذ أجندة ترامب سيكتب نهاية مأساوية لمبدأ الفصل بين السلطات ومن ثم الديمقراطية نفسها من الجذور.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق