تخيل أن لك صديقًا محبًا صادقًا لك ، و حينما جاءك ذات يوم وجدك تواجه مسدسًا ٩ ملم مع كاتم الصوت لسرعة الإنهاء و

تخيل أن لك صديقًا محبًا صادقًا لك ، و حينما جاءك ذات يوم وجدك تواجه مسدسًا ٩ ملم مع كاتم الصوت لسرعة الإنهاء و أريحتها الصامتة ، فبدلًا من أن ينقذك لتسعد بما تبقى لك من حياة أو تحاول العلاج أو تجادل نفسك تركك لتفعلها !! يطرح التساؤل المنطقي هنا هل أن تقتل نفسك حلًا نهائيًا و جذريًا لمشاكلك أو أنها فقط عبارة عن دائرة عبثية و حل خاطيء لمشكلة بسيطة ، هذا ما بحث عنه العديد من المختصين .
 
تعددت أسباب الانتحار و لكنه مشكلة تنتمي للحداثة الأوربية و الغربية بشكل عام ، و ذلك بعد إلغاء مركزين بشكل قاطع و جذري هزا البؤس الوجدان الإنساني كله ألا و هما الدين المنظم للشئون الحياتية ، فضلًا عن الأخلاق و ما وراء الطبيعية بجعلها منتهى الإنسان جسده ، مكونة بذلك عقائد فلسفية سائلة و رخوة كالوجودية و العدمية التي ترى في و التشاؤم عقيدة واقعية للمواجهة العلنية مع العالم ، عبر إنكاره شروره المطلقة التي لا حل لها غير بالاستسلام لها ، فحياتك لا تساوي أكثر من حياة المحار كما قال الفيلسوف الملحد ديفيد هيوم بمنتهى الصراحة الفجة .
 
عززت تلك الفجاجة المهدرة لقيمة الإنسان نفسه عبر ابتكار الوجودية مفهوم الأنا المحددة لذاتها ، تنتطوي باختصار كما يقول سارتر في الوجود و العدم على فكرة "المرء من يحدد هويته الشخصية "، وصولًا كما يقول الدكتور حسام الدين حامد لمرحلة خواء العدم ، تعرفها الجمعية العامة الأمريكية لعلم النفس بأنها حالة مرضية تعبر عن سعي محموم في دائرة من الاستنزاف المؤدية للاستسلام ، معددة علله المريضة بين أصناف غريبة من الأمراض إما العقلية ، أو العاطفية بين الاكتئاب و اضطراب ثنائي القطب ، انتهاءً بالفقدان و الجفاف أو الضغط الفائق على الأعصاب التي قد تنهك المرء ليجد نفسه في جحيم الحياة البائس الذي لا يفر منه إلا بالانتحار أو إيذاء النفس !!.
 
عند الانتقال للإحصاءات الدالة على عدد المنتحرين سنويًا ، فيدل على مدى كارثية الأمر ، متخطية حدود المواجهة المباشرة للمشاكل و الاستسلام الفوري للضغوط الكبيرة ، مع عدم الوضع في الاعتبار أنه حل خطأ لمشكلة مبالغة فيها ، و كلها بسبب شيوع روح البؤس و الفشل الذريع حتى مع الثراء الفاحش ، لإن العامل اليائس يلعب دورًا في التفريغ المتسارع للحظات السرور ،و خصوصًا في الدول الغنية التي تتمتع بالرفاهية الواسعة التي ترتكز بالأساس على اللذة و الرغبة و أسلوب الحياة الذي يركز على الترقي اللانهائي.
 
و يفتح هذا باب المناقشة الجدية نظرًا للارتفاعات المتزايدة على المعايير و الأسباب النفسية بخلاف البؤس لما لها من تعدد مخيف سواء من حيث الانتشار السريع في مختلف الدول ، مثل الولايات المتحددة التي ينتحر فيها سنويًا من نصف لمليون شخص سنويًا ، و مصر التي احتلت المركز الأول في الدول العربية من حيث عدد المنتحرين بآخر 9 سنوات من 2016 أي بعبارة مختصرة الانتحار حالة غير متصلة إلا بأمرين شديدي الحساسية و هما متصلان بالحياة الحديثة و العقيدة السريعة قبل النظر للأمراض النفسية و الذهنية ، لعل هذا ما أكده فيلسوف العدمية الشهير إميل سيوران في كتابه على مرتفعات اليأس ما يترك باب المجتمعات مغلقًا حتى نفتحه للغوص في الانتحار و العلل الاجتماعية لذلك.
 
مجتمع الاختراق و الاحتراق النفسي.. خديعة الذات الفردية المستقرة 
 
فوفقًا لبيونغ تشول هان في كتابه مجتمع الاحتراق الوظيفي ، يكشف الكاتب و الفيلسوف عن مشكلة أساسية في المجتمعات المعاصرة ألا و هي الاحتراق السريع للفرد من أبسط المهام المكلف بها لإنه يشعر بالانفصال التام عما يفعل سواء كان في عمله أو أسرته أو حتى بين نفسه و لوحده ، فالفراغ التي ينتاب الإنسان المعاصر في الحياة اليومية مرعب و مخيف لما يعتيره من عدم توازن نفسي ، و تلك أصبحت حالة شائعة لا تختص بمجتمعات بعينها سواء غنية أو فقيرة.
 
فتؤسس حالة من الفشل الذريع التي تكبر لحالة من الاحتراق النفسي الذي يحرق المرء من داخله لآخر قطرة فيه حتى تحوله لمجرد مسخ هدفه الأزلي النجاة الفردية ، لكن للأسف يفشل في هذه كذلك فليلجأ لخيار الانتحار باعتباره نجاة و كأنها الرصاصة الوحيدة التي تكتب له النجاة الموعودة  ، بظروف قاهرة للمرء بصدق في الحالة المصرية التي لا تكفي لتكوين متطلبات الإنسان البدائي كونك بالنسبة للشركات عبد يمارس عليه شتى أنواع التعذيب و القهر النفسي و بخاصة إن  كنت فقيرًا أو معدمًا فأنت ملزم بسداد الديون و الإنفاق الدوري على أهلك أو تحقيق  ذاتك و إلا فلن ينصلح حالك.
 
و عند كسر الدائرة ، فتترك حياتك بين ثلاث خيارات ، أمر من بعضهم البعض ، إما التنميط المقرف أو النفور الدائم أو الانعزال الاكتئابي الذي يصيب فقط الذين أصيبوا بالطمع الشديد أو البخل الشحيح فيدور في دوائر مغلقة للهرب أو بالأحرى للترقي لتفتح له طريق ذا منفذين منسدين و هو التحول لمسخ هدفه الأول و الأخير حصرًا تحقيق الذات أو الوصول للنمط السائد اجتماعيًا ما يزعزع بالضرورة الثقة الداخلية و أخيرًا عندما يستسلم للفراغ الاجتماعي لا يجد مفر منه غير بالإدمان الشديد أو الانتحار ، فالأمر مماثل لمن يريد أن ينهي حياته برصاصة الرحمة.
 
فلا فردانية ذات جدوى حقيقة تعالج الأمراض أو الضغوط المكثفة ، بل يزيد الضغط المجتمعي تحت سرديات ثقافية عقيمة و عبثية للتصبير و التجمد ، فلا يجد المرء بحسب بيير كوربيت أستاذ الطب النفسي في جامعة كاليفورنا بأن المنتحر "لا يحدد ما يريد لما فيه من انسداد أفق "و بالطبع يكون هذا آخر منفذ للطريق المسلك في كلا المجتمعين المتخلف و المتقدم لإن كلا منها يستهلكان أنفسهما حتى تضيع المناعة الفردية ، لعل هذا ما رسخته إميلي أولي أستاذة علم النفس في أمستردام بأن المجتمع ترسخ للمنتحر أفعاله ، "فتقذفه في البحر من ثم للمحيط الواسع ،فالرفاهية بؤس و الانحطاط انحدار .
 
بموجب المعطيات السابقة ، يؤكد أستاذ علم الاجتماع جيل لبيوفتسكي،  و إدغار موران في كتابهما عصر الفراغ و هل نسير للهاوية عن حتمية الانتحار باعتبارها نتيجة لأمرين للاحتقار الذاتي ، و الامتهان الذي يتم بسبب انهيار المقدسات أو حتى غبارها المتروك التي قضي عليها أو يسعى بكل وسيلة لحربها حربًا ضروس لا هوادة فيها فلا فراغ يمليء بجانب الانهيار المجتمعي فتتحول كل الخيارات المجنونة و المخاطرات الجزافية لحل تفريغي من القهر و الهدر ، ما يثير النقاش حول السبل والأساليب الحقيقة و الفعالة من شأنها ردع أو تقليل الحالات التي تحولت لظاهرة منتشرة عالميًا ، و رؤية الإسلام حوله .
 
الأمانة المصونة لمنع ارتكاب جريمة عظمى في ذاتك 
 
بشكل مفاجيء ، و لافت للنظر يرنو مؤسس علم الاجتماع إيميل دوركايم للحل من خارج الرؤية الغربية بأساسها و منظوماتها الفكرية لروح الإسلام ، فيستشهد بسورة الكهف حينما يقول الله عز و جل أن النفس روح من الله ، فيخرج منها باستنتاج علمي في كتابه الانتحار مفاده أن المسلم الحق "يستحيل أن ينتحر إلا لو عانى بشدة "من مؤثرات أخرى تفيد بأن حياته خربت تمامًا ليفتح الباب المغلق ، ملتقطًا الخيط الثاني لعلاجه من دوركايم الملحد للعلامة الجزائري ابن باديس في مجمل أعماله الذي يقول فيها أن الإنسان يعيش لأسرته و جيرانه و شوارعه لإصلاحهما أو محاولة ذلك.
 
و من هنا ، يتبلور مفهومي الأمانة الاجتماعية ، و يضيق بنا المفهوم ليشمل الجسد كذلك، فعلى عكس الجفاف المنتشر و التوجيه الصارم الأجوف ، ينتقل الإمام ابن القيم الجوزية في كتابي الداء و الدواء ، و طريق السعادتين و باب الهجرتين أن السعي للحفاظ على جسدك أمانة و ثواب عظيم تجزى به ، أما محاولة إنهاءه فهي جريمة لإنك ليست بتلك الصلاحية لإنهاءه أو إفناءه ، فضلًا عن تعريفه تحقيق الذات بطريقة إسلامية بعيدًا عن الدلالة الثقيلة الخاصة بها ، فيقول أن السعي الدؤوب لإتمام العبودية لوجهه غنيمة كبيرة لا تضاهيها غير لذة الرضا منك.
 
و بهذا النمط الرفيع ، ينتقل التدين من مرحلة الشكل و المظهر ، لمرحلتي الجوهر و الباطن ليكتسى الروح بالتزكية المطلوبة ، و عند إحقاقها بمنتهى الفهم و الوضوح ، ينتقل الانتحار لفكرة سخيفة لكن في حدود قليلة جدا ، في حالات الأمراض النفسية التي يتوجب لها الذهاب للطبيب النفسي ، فوفقًا للبلخي في كتابه مصالح الأبدان و الأنفس التي يتوغل فيها لأعماق أوصال النفس ، فيقول أن المريض نوعين عقلي وقلبي،  فالعقلي كالمجنون و العصابي ، و الأخرق ، مع فاقد التمييز و الإدراك السوي ، أما القلبي فهو كل ما يصنف خارجه سواء كان عصبيًا أو هادئًا .
 
و لابد أن يتعلم البوصلة الصحيحة التي تتمكن من تأصيل المبادى و القيم التي يسير عليها الإنسان، لعدة أسباب منها السعي الرضائي و تحقيق كامل العبودية لله،  و لعل هذا ما جعل الدكتور عبدالله الشهري يؤكد في كتابه المخرج الوحيد ، أن العبودية الحقة لله تهد خرافة "صعوبة الأيام "، مخلفة بذلك الرؤية التشاؤمية للانتحار التي تحاول الحياة لسجن مفتوح ، و للمفارقة هذا السجن من أسهل ما يشكل في الأساس لما لديه من عوامل شخصية بحتة تستهدف فقط البؤساء ، و المختلفين عن النمط المجتمعي المرسوم لهم ، فضلًا عن بث عقيدة اليأس و انسداد الأفق عبر تصدير التفاهات و الأشخاص السافلة باعتبارهم نجوم مجتمع!!.
 
في الختام ، هناك العديد من الحلول المقترحة و السبل الفعالة للخروج من حالة البؤس أو المرض النفسي كذلك ، على رأسها ممارسة الرياضة و محاولة اكتساب المهارات الجديدة التي تميزك ، و الأهم بالذكر تذكر أن الانتحار كما يقول على عزت بيجوفيتش الرئيس البوسني الراحل في كتابه الإسلام بين الشرق و الغرب "هروب من الأزمة الرئيسة "لا لإنه خطأ أو غير واقعي فقط بل لإنه سهل المنال و الحدوث ، دون حتى التفكير العقلاني للحظة عن أجزاء الفراغ و الألم التي ستتفتحها بتركك للحياة ، فالانتحار بهذا المعني وسيلة لإعلان الاستسلام من الحياة كلها ، و ليست من المتاعب و المصاعب الشخصية فقط.