بقلم الدكتور مصطفى السنوسي
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في مصر، بغرفته مجلس الشيوخ و مجلس النواب، تتجه الأنظار إلى هذا الحدث بوصفه أكثر من مجرد استحقاق دستوري، بل باعتباره اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا للدولة المصرية ومؤسساتها. فهل نحن على أعتاب استكمال لمسار ديمقراطي حقيقي، أم أمام إنتاج مشهد تقليدي تُهيمن عليه الحسابات الضيقة؟

 

لقد عرفت مصر الحياة النيابية منذ ما يزيد عن قرن، وكانت سبّاقة في المنطقة إلى تبني المؤسسات المنتخبة، لكن الإشكال لم يكن يومًا في الشكل، بل في المضمون والتمثيل، في قدرة البرلمان على أن يُجسد إرادة الشعب لا إرادة النخب أو التحالفات المفروضة.

في كل انتخابات، يتكرر المشهد ذاته: يختلط على كثيرين مفهوم النائب، فيُعامل كوسيط خدمات أو واجهة اجتماعية أو صاحب نفوذ. والحقيقة أن النائب – في جوهر دوره – هو ممثل الأمة، حارس للدستور، ورقيب على أداء الحكومة. لا مكان في العمل البرلماني للباحثين عن وجاهة، أو المستغلين للمقعد في صفقات خفية.

إن الترشح للبرلمان يجب أن يكون بدافع وطني خالص، ومن منطلق الإحساس بالمسؤولية، لا باعتباره فرصة استثمار سياسي أو اجتماعي. فالتشريع والمحاسبة ومراقبة السلطة، ليست أعمالًا بروتوكولية، بل أعباء وطنية تتطلب وعيًا وخبرة ونزاهة.

إن المرحلة المقبلة لا تحتمل المجاملات أو التجارب، بل تتطلب اختيار نواب يمتلكون مشاريع حقيقية وأفكارًا قابلة للتطبيق. فالكفاءة ليست ترفًا، بل حاجة وطنية لإنقاذ ما تبقى من الثقة الشعبية في العملية السياسية.

لذا يجب أن يُختار النائب وفق معايير موضوعية، في مقدمتها: الفهم العميق للدستور ودوره الرقابي، والخبرة المجتمعية التي تمكنه من استيعاب هموم الناس، والاستقلالية الفكرية التي تجعله يرفض التبعية لأي نفوذ، إلى جانب قدرته على الحوار والمساءلة.

كما أن النائب الذي لا يحمل رؤية واضحة، سيتحول إلى مجرد موظف علاقات عامة، يمدح السلطة التنفيذيية ويصمت عن أخطائها، ويخون بذلك دوره الأساسي في الدفاع عن مصالح المواطنين.

عندما يصل إلى البرلمان من لا يستحق، يتحول المجلس من سلطة رقابية إلى منصة لتصفية الحسابات، وتضيع بذلك هيبة العمل النيابي. الأخطر من ذلك أن الثقة بين الناس وممثليهم تتآكل، وتبدو الديمقراطية وكأنها مسرح بلا جمهور.

وإذا استمرت هذه الدائرة المغلقة، فسنجد أن المواطن أصبح لا يرى في البرلمان ما أمّله، لا صوتًا له داخلها، وعندها تفقد العملية السياسية معناها.

إن مستقبل الحياة النيابية يُبنى على جهود المستقلين، مت الأحزاب التي تُعبّر عن قواعد جماهيرية حقيقية، وتمتلك برامج وطنية واضحة، وتدفع بقيادات مؤهلة لخوض غمار العمل البرلماني.

وإذا لم تتغير البنية الحزبية، وتعيد تلك الكيانات صياغة علاقتها بالمجتمع، فإنها ستتآكل أكثر فأكثر حتى تصبح بلا أثر أو قيمة.

لذا فالمطلوب اليوم ليس برلمانًا من أصحاب النفوذ أو المال، بل برلمان يُشبه الشعب في تنوعه، وتطلعاته، وتحدياته. برلمان لا يُقصي الشباب، ولا يُهمّش المرأة، ولا يُغلق الباب أمام الكفاءات، مهما كانت خلفيتها الاجتماعية أو السياسية.

إن الجمهورية الجديدة تستحق برلمانًا يمثل المواطن العادي، لا النخب المتكررة. مجلسًا يُعيد الاعتبار لفكرة التمثيل، لا يُفرّغها من مضمونها. فالبرلمان الحقيقي هو الذي يصنع السياسات، لا الذي يُصفق لها.

في النهاية، الأمر بيد الناخب. فالصوت الانتخابي ليس مكافأة، بل تفويض سياسي خطير، يُحدد مَن يُمثلنا في صنع القرار. ولذلك يجب أن يُمنح فقط لمن يستحق، لمن يمتلك مشروعًا حقيقيًا يُعبر عن الناس ويخدم الوطن.

الانتخابات القادمة ليست مجرد اختبار للمرشحين، بل امتحان لوطنٍ بأكمله: هل نريد بناء جمهورية جديدة تُحترم فيها الإرادة الشعبية؟ أم نرضى بإعادة تدوير الفشل، كما لو كان قدرًا لا فكاك منه؟

ولن يتحقق البرلمان الذي نطمح إليه إلا إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط: مرشح يمتلك كفاءة ومشروع، حزب يُعبّر عن قواعده لا عن تحالفاته، وناخب يُدرك قيمة صوته ويُحسن استخدامه.

عندها فقط، سيكون لدينا برلمان من الشعب وللشعب... لا برلمان يُمثّل النخبة ويُخدّر الشارع، ويقف عقبة في طريق الجمهورية الجديدة.