حين يُذكر اسم "طه حسين"، لا يُذكر فقط كاتب أو ناقد، بل يُستدعى رمز للفكر والتجديد والتحرر العقلي في الثقافة العربية. لم تمنعه الإعاقة من أن يصبح واحدًا من أعظم مفكري القرن العشرين. سيرة طه حسين ليست فقط قصة نجاح، بل قصة كفاح وتنوير أثّرت في أجيال كاملة.


🔷 النشأة والبدايات:

وُلد طه حسين في 15 نوفمبر 1889 في قرية الكيلو بمحافظة المنيا في صعيد مصر، وفقد بصره في سن مبكرة بسبب مرض في العيون، وهو ما شكّل دافعًا قويًا له لاعتماد عقله بصيرةً.
انضم إلى الأزهر في شبابه ودرس العلوم الدينية، لكنه سرعان ما اتجه إلى الجامعة المصرية الحديثة عام 1908، وهناك بدأت رحلته مع الفكر والجدل، إذ حصل على أول دكتوراه مصرية عام 1914 عن "أبو العلاء المعري".


🔷 الدراسة في فرنسا:

سافر إلى فرنسا في بعثة علمية، فدرس في جامعة السوربون، وتزوج من الفرنسية "سوزان بريسو" التي ظلت شريكة حياته وصوته الذي كان يستعين به في القراءة والكتابة.
حصل على درجة الدكتوراه الثانية من السوربون عن أطروحة في التاريخ، ثم عاد إلى مصر محمّلًا بأفكار التنوير والحداثة.


🔷 مسيرته الفكرية:

طه حسين لم يكن مجرد كاتب، بل مفكر نقدي واجه التقاليد الجامدة، وكتب في شتى فروع الأدب والفكر. من أبرز مؤلفاته:

في الشعر الجاهلي (1926): كتاب أثار جدلًا كبيرًا حين شكّك في مصادر الأدب الجاهلي.

الأيام: سيرته الذاتية المؤثرة التي تُدرَّس حتى اليوم.

مستقبل الثقافة في مصر: دعوة جريئة للحداثة وربط الثقافة المصرية بالثقافة الأوروبية.

الفتنة الكبرى، حديث الأربعاء، وغيرها من الأعمال التي تركت بصمة كبيرة.


🔷 في المناصب الرسمية:

تولّى طه حسين عدة مناصب، أبرزها وزير المعارف (التعليم) عام 1950، حيث أطلق شعارًا خلد اسمه:

"التعليم حق لكل مواطن كالماء والهواء".
في عهده، توسّع التعليم المجاني ووصل إلى الطبقات الفقيرة.


🔷 وفاته وإرثه:

توفي طه حسين يوم 28 أكتوبر 1973 عن عمر ناهز 84 عامًا، لكنه ترك إرثًا ثقافيًا وفكريًا لا يُمحى، إذ ما زالت كتبه تُدرّس، وأفكاره تُناقش، واسمه يُستدعى في كل معركة تخص التنوير أو الحرية أو التعليم.


🔷 الخاتمة:

طه حسين لم يكن مجرد "عميد الأدب العربي"، بل كان شعلةً فكرية، ومثالًا حيًّا على أن التحديات الجسدية لا تقف أمام العقول الحرة. قصته تعلّمنا أن الثقافة ليست حكرًا على أحد، وأن النور الحقيقي هو نور الفكر، لا البصر.