شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً عنيفاً في قطاع غزة، شمل ضربات جوية مكثفة وأوامر إخلاء فوري للسكان. ووفقاً لما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، تخطط إسرائيل لشن عملية عسكرية برية واسعة النطاق داخل القطاع، في ظل قناعة حكومة نتنياهو بأن "احتلال أجزاء من غزة والسيطرة عليها سيؤدي إلى هزيمة حركة حماس، والضغط على الفلسطينيين لمغادرة القطاع بعد محاصرتهم في مناطق ضيقة أشبه بمعسكرات اعتقال".
ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل مخطط متكامل لتهجير الفلسطينيين من غزة، حيث تتجه إسرائيل نحو تدمير البنية التحتية بالكامل، والقضاء على حركة حماس، واستكمال خطة ضرب خان يونس ومناطق في شمال القطاع. الضربات النوعية المتكررة تهدف إلى منع سكان الشمال من العودة إليه بعد تدميره وجعله غير صالح للحياة.
وتروج إسرائيل لما تسميه بـ"الهجرة الطوعية"، والتي هي في الحقيقة تهجير قسري مقنّع. عبر إعادة احتلال القطاع، وتجريد الحياة من كل مقوماتها، يتم دفع سكان غزة نحو اليأس، ومن ثم مغادرة القطاع أملاً في حياة أفضل خارج المخيمات التي لا تصلح للسكن الطويل.
"الحرب الصامتة": الوجه الثاني للمخطط
المرحلة الثانية من خطة الحرب، وهي الأخطر، تتمثل فيما يُعرف بـ"الحرب الصامتة"، والتي ستتخفى خلف شعارات إنسانية ومساعدات دولية. الهدف منها هو تفريغ غزة من سكانها بهدوء، بعيداً عن الأضواء الإعلامية. في ظل دمار شامل يحتاج إلى أكثر من عقد لإعادة الإعمار، هل يستطيع الفلسطينيون البقاء عشر سنوات في خيام؟ بطبيعة الحال، لن يتمكنوا.
الدول المستعدة لاستقبال الفلسطينيين أصبحت جاهزة، وسبق للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن طرح فكرة "منطقة حرية" (Freedom Zone) تُنقل إليها سكان القطاع، بالتعاون مع عدة دول، قائلاً:
"امتلاك قطاع غزة من قِبل الولايات المتحدة سيكون أمراً جيداً... وإذا تم نقل الفلسطينيين إلى دول أخرى، يمكننا إنشاء منطقة لا يتعرض فيها الناس للقتل يومياً".
بدوره، نتنياهو أشاد بالخطة، مؤكداً وجود محادثات مع دول مستعدة لاستقبال سكان غزة، دون أن يذكر أسماءها. وألمح إلى أن العائق الحقيقي هو مصر، قائلاً إن "سكان غزة لا يُسمح لهم بالمغادرة، ولسنا نحن من يمنعهم"، في إشارة واضحة إلى معبر رفح، ودور مصر الحاسم في إفشال أو إنجاح مخطط التهجير.
وكالة خاصة للهجرة.. وتصريحات صريحة من تل أبيب
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن إنشاء وكالة خاصة للهجرة "الطوعية"، وأمر الجيش بإعداد خطة لذلك. كما أكد أن الجيش لن ينسحب من المناطق التي يسيطر عليها داخل غزة، بل سيبقى كـ"حاجز أمني"، مشيراً إلى إخلاء مئات الآلاف من السكان، وضم مساحات واسعة إلى مناطق الأمن.
في تغريدة له، قال كاتس إن الخطة تسير بالتوازي مع تصعيد الضغط على حماس، وطرح "نزع سلاح غزة" لأول مرة كشرط مصري لوقف الحرب.
وبحسب تقارير عبرية، فقد غادر بالفعل 70 فلسطينياً قطاع غزة عبر مطار رامون إلى دول أوروبية، بمساعدة مباشرة من الحكومة الإسرائيلية، في خطوة اعتبرتها تل أبيب بداية "تشجيع الهجرة الطوعية".
الدول المستعدة للاستقبال.. وتلميحات بصفقات سياسية
وفقاً لوكالات أمريكية، تواصلت إسرائيل والولايات المتحدة مع ثلاث دول إفريقية (السودان، الصومال، وأرض الصومال الانفصالية) لمناقشة إمكانية استقبال نازحين فلسطينيين. كما أشارت تقارير إلى استعداد إندونيسيا لاستقبال فلسطينيين مؤقتاً، وفق تصريح من الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو.
أما في ليبيا، فقد نشرت مجلة "أمريكان ثينكر" معلومات عن موافقة حكومة الدبيبة على استقبال 200 ألف فلسطيني من غزة، إلا أن الحكومة لم تصدر أي تعقيب رسمي.
وفي مصر، نفت هيئة الاستعلامات بشكل قاطع صحة التقارير التي تحدثت عن نقل نصف مليون فلسطيني إلى شمال سيناء، ووصفتها بـ"الادعاءات الباطلة"، مؤكدة أن الهدف منها جس نبض الموقف المصري.
استطلاعات وتحركات ميدانية
أظهر استطلاع للرأي نشرته التلغراف البريطانية وأجراه غالوب، أن نحو نصف سكان غزة مستعدون للمغادرة إذا أتيحت لهم الفرصة. كثير من القادرين ماليًا غادروا بالفعل، بدفع أموال طائلة لشركات وسطاء، وغادروا عبر معبر رفح أثناء الحرب.
وفي تصريح مثير، قال الصحفي الإسرائيلي ينون ماجال إن الجيش يعتزم "إخلاء جميع سكان غزة إلى منطقة إنسانية جديدة للإقامة الطويلة"، مشيراً إلى إجراءات فحص أمني صارم، وإجراءات أقرب إلى معسكرات اعتقال جماعية.
النهاية ليست حماس.. بل غزة كلها
ما يجري الآن لم يعد حربًا ضد حماس، بل خطة ممنهجة لتصفية غزة ديموغرافيًا وجغرافيًا، وتحويلها إلى منطقة تحت إدارة أمريكية متعددة الجنسيات، ضمن ترتيبات إقليمية ودولية.
لم يعد الرهائن ورقة رابحة بيد حماس، فإسرائيل ماضية في تدمير القطاع، سواء تم تسليم الرهائن أم لا، والمرحلة القادمة هي التهجير الصامت، بتنسيق دولي، ومساعدة ضمنية من بعض الدول الإقليمية.
أما موقف مصر والأردن، فمن غير المتوقع أن يشمل تدخلًا عسكريًا، تجنبًا لاشتباك مباشر مع إسرائيل قد يُفضي إلى مواجهة مع الولايات المتحدة. لكن ذلك لا يمنع صدور بيانات رسمية رافضة ومنددة، دون أثر ميداني فعلي.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق