لم تكن تل أبيب جاهزة لهذا الصباح. المدينة التي طالما عاشت على وقع الهجمات من بعيد بدت للمرة الأولى عارية أمام الصواريخ. الصور الأولى كانت صادمة: حرائق تتصاعد من مبان وسط العاصمة، انفجارات تهز الأحياء، وصافرات إنذار تحفر في ذاكرة سكان اعتادوا الحرب، لكنهم لم يعتادوا الخوف في عقر دارهم.

هذه المرة لم تكن مجرد جولة جديدة من لعبة الردع الإقليمي. ما حدث كان زلزالا مدويا ليس فقط في الجغرافيا السياسية للمنطقة بل في بنية العقل الإسرائيلي نفسه. أن تخترق صواريخ إيرانية المجال الجوي وتصل إلى مواقع عسكرية ومدنية بهذه الدقة ، فذلك يعني أن معادلة القوة الردعية قد تكسّرت أو على الأقل أصبحت أكثر تشظيا.

منذ الضربة الإسرائيلية الكبرى ضد المنشآت النووية الإيرانية واغتيال كبار القادة والعلماء بدا وكأن طهران دخلت في لحظة اختبار وجودي. ليس فقط على مستوى الرد ولكن على مستوى ما إذا كانت لا تزال تملك القدرة على الرد أصلا. كثيرون راهنوا على أن إيران ستبلع الضربة كعادتها وتكتفي بتصريحات غاضبة ومناوشات بالوكالة. لكن حسابات هذه الجولة بدت مختلفة تماما.

اختارت طهران ألا ترد عبر الحلفاء بل أن تستخدم توقيعها الخاص: صواريخ تحمل اسم "قاسم سليماني"، تدخل العمق الإسرائيلي وتضرب تل أبيب. الرسالة واضحة: المعركة لم تعد هناك فقط بل هنا أيضا. والغد بالنسبة لإسرائيل قد لا يكون أكثر أمنا.

اللافت أن هذا التطور لا يحدث في فراغ. فإسرائيل المنهكة في الجنوب والمرتبكة في الشمال تجد نفسها محاصرة على أكثر من جبهة. لا رادع حقيقي في غزة ولا يقين في صمود الجبهة الداخلية أمام وابل الصواريخ. أما الحلفاء التقليديون، فهم يتراجعون خطوة إلى الوراء أو على الأقل يتريثون في إعلان موقف حاسم.

وفي المقابل تقف إيران في وضع معقد. فقدت الكثير في الضربة الأولى وتكبدت خسائر استراتيجية ، ليس فقط في المعدات والبنى بل في ثقة الداخل. لكن صواريخ الرد أعادت لها، ولو جزئيا صورة الدولة التي لا تنكسر بسهولة. ومن خلف هذا الرد كان هناك سؤال استراتيجي كبير: هل هذه بداية الانفجار الكبير في المنطقة؟ أم مجرد جولة أخرى في حرب طويلة تُدار بالتحكم عن بعد؟

الولايات المتحدة تبدو مترددة. لا تريد حربا شاملة قبل الانتخابات ولا ترغب في انهيار حليفها الأقرب. أما أوروبا فتحاول عبثا لعب دور الوسيط بينما تصاعد الدخان من تل أبيب وطهران يطمس أي حديث عن حلول.

في النهاية نحن أمام مرحلة جديدة لا يمكن وصفها إلا بأنها فوضى استراتيجية. كل الأطراف باتت تعلم أن الخطوط الحمراء القديمة قد تم تجاوزها وأن منطق "الحروب النظيفة" قد انتهى. لا أحد يستطيع التنبؤ بالغد لكن المؤكد أن ما بعد هذا الهجوم لن يكون كما قبله.

لقد دخلنا مرحلة "الردع المشترك بالتدمير"، لا بمنطق توازن القوى فقط بل بمنطق الفوضى الممكنة. تل أبيب لم تعد محصنة وطهران لم تعد تخاف. وبين المدينتين تقف عواصم كثيرة على أطراف أصابعها تراقب المشهد وتُعد حسابات جديدة للنجاة أو المشاركة.

الساعات القادمة لن تحسم مصير الحرب لكنها قد ترسم ملامح شرق أوسط يولد من رحم النار.