تضع النيابة العامة يدها على ما حدث بالضبط، وسر استمرار الحريق لساعات طويلة دون قدرة على السيطرة. والأخطر تداعيات حريق مركز ضخم ومحوري مثل سنترال رمسيس على الاتصالات الحيوية في مصر.
لكن ليس من المبكر مواجهة ما حدث بكل صراحة، والسؤال عما يجري بالضبط في البنية التحتية الذكية. وكيف لا يكون هناك بديل أو مؤسسة احتياطية لسنترال بهذا الحجم يمثل عصب الاتصالات في مصر، لدرجة أن احتراقه أوقف الحياة تمامًا في القاهرة الكبرى، وأصابها بالشلل التام لساعات في البنوك، والبورصة، والمطارات، والمستشفيات، وكافة المرافق الحيوية.
حريق سنترال رمسيس ليس مجرد خلل تقني أو حريق عارض، لكنه كشف هشاشة البنية التحتية الحيوية التي تعتمد عليها الدولة في الاتصالات، والخدمات الرقمية، والأمن السيبراني. وانعدام السلامة المهنية، فالحريق الذي اندلع في الطابق السابع من سنترال رمسيس ثم امتد لعدة أدوار أخرى ومبنيين مجاورين له، كان بالإمكان السيطرة عليه في الحال لو هناك أمن صناعي وسلامة مهنية حقيقية للتعامل مع مثل هذه الكوارث في الحال والسيطرة السريعة، من قبل أفراد الأمن الصناعي، قبل خسائر بمئات الملايين من الجنيهات وتداعيات اقتصادية وخيمة.
ولذلك جدد حريق سنترال رمسيس السؤال حول دور أنظمة الحماية المدنية والصيانة الدورية؟ ولماذا تعطلت نحو 40% من حركة الاتصالات في البلاد، كان يتحكم فيها سنترال رمسيس، الذي افتتح قبل نحو 100 عام كاملة، في وقت الملك فؤاد الأول وفي عشرينيات القرن الماضي.
كيف غابت خطط الطوارئ عن منشأة بهذه الأهمية الاستراتيجية؟
الأخطر من ذلك، أن الحريق تسبب في تعطيل قطاعات كاملة من الدولة: من البنوك إلى البورصة، ومن المستشفيات إلى الإسعاف، في وقت لم تعلن فيه الحكومة حتى الآن بشكل واضح ومفصل عن الأسباب المباشرة وراء اندلاع الحريق أو الجهات المسؤولة عن التقصير. ولذلك فهناك حاجة ماسة لمعرفة نتائج تحقيقات النيابة العامة بشكل عاجل وشفاف، وتحديد المسؤوليات بدقة.
المهندس محمد نصر، الرئيس التنفيذي للشركة المصرية للاتصالات، كشف أن الحريق اندلع بإحدى صالات الطابق المخصص لمشغلي الاتصالات، وامتد لأدوار أخرى نتيجة قوته، رغم وجود أنظمة إطفاء ذاتي، وهو ما فاقم الوضع.
بينما قدم وزير الاتصالات التعازي لأسر الضحايا، مشيرًا إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعويض المتضررين، كما زار عدة مستشفيات للاطمئنان على المصابين ووجّه بتوفير الدعم الكامل لهم، وهذا تحرك طيب في اللحظة لكن ماذا بعد ذلك؟!
في المقابل، تقدم النائب إيهاب منصور بطلب إحاطة عاجل، متسائلًا عن مدى كفاية أنظمة الحماية، ودور المجلس الأعلى للسلامة المهنية. وقال: "الحريق تسبب في توقف كل المرافق الأساسية، وتأخير رحلات الطيران، ووقوع وفيات وإصابات"، مطالبًا بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين.
في نفس السياق، شهدت جلسة البرلمان هجومًا من النواب على أداء الحكومة بسبب ما حدث.
ووصف النائب عمرو درويش الحادث بأنه "كارثة بكل المقاييس"، منتقدًا ما وصفه بانهيار المنظومة الرقمية، وتضارب التصريحات حول توقف السنترال. وطالب بلجنة تقصي حقائق عاجلة.
أما النائب ضياء داود، فقال: "هذه حكومة فشلت في إدارة أزمة، فماذا لو كنا في حالة حرب؟". وأضاف: "لن نفض دور الانعقاد قبل إعلان نتائج التحقيق". فيما طالب النائب أحمد فرغلي باستجواب فوري للحكومة، مشيرًا إلى أن "مصر تعطلت 12 ساعة بسبب عقب سيجارة". بينما قال النائب مصطفى بكري: "الاحتقان الشعبي يتزايد، ولا يوجد محاسبة حقيقية. الحريق كشف استمرار العشوائية، ويجب أن يحضر الوزير إلى البرلمان لشرح ما جرى".
فيما أوضح مركز معلومات مجلس الوزراء أن سنترال رمسيس يعالج 40% من حركة الاتصالات المحلية والدولية، ويضم أكبر غرف الربط البيني، ويُستخدم من كبرى شركات الاتصالات مثل فودافون وأورانج. وأضاف أن الحريق أثّر مؤقتًا على الهاتف والإنترنت بالقاهرة والجيزة.
وبعد.. حريق سنترال رمسيس ليس حدثًا عاديًا، كما أن توقف الحركة في الدولة لساعات بسبب حريق سنترال مركزي، لا يمكن أن يمر هكذا بصمت، بل هو يدفع للسؤال عن مليارات البنية التحتية، والسبب وراء عدم بناء مؤسسة بديلة أو احتياطية تكون قادرة على العمل بكفاءة تامة حال حدوث كارثة بهذا الشكل.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق