الفاجعة التي حدثت على الطريق الإقليمي بين الباجور وأشمون، حادث المنوفية الأليم، ليست فقط حادثة طريق أدت إلى ضياع حلم 18 فتاة خرجن للعمل باليومية في إحدى مزارع مدينة السادات نظير 120-130 جنيهًا يوميًا، ولا السائق الذي كان معهن، ولكنها كارثة أفجعتنا جميعًا وأدمت قلوبنا، وأصابت بالحسرة بيوت آلاف الأسر في قرية السنابسة وغيرها من القرى التي فقدت زهرة فتياتها نظير الإهمال والفوضى.
حادثة الإقليمي المفزعة في المنوفية تنبه إلى أن القضية لم تكن في مصر إنشاء طرق سريعة وواسعة فقط، ولكن في المتابعة المستمرة للتصدي للإهمال في كافة صوره، خصوصًا أن الطريق الذي وقعت فيه الكارثة تتكرر عليه الحوادث المؤلمة بشكل شبه يومي، وخلال الشهرين الأخيرين شهد ثلاث حوادث مؤلمة تُدمي العين والقلب، والسبب أن الإصلاحات به لا تنتهي.
وأنا واحد ممن يسيرون على الطريق بين فترة وأخرى، وأشاهد بأم عيني إصلاحات كثيرة لا تنتهي.. هناك حُفر، الإضاءة قليلة، مرة يُصلحون الجانب الأيمن للطريق ويقومون بتعلية الأسفلت، وأخرى ينتقلون للجانب الآخر، ومرات يحدث هبوط فيه هنا وهناك، وخصوصًا في المسافة بين الباجور وأشمون، وغيرها وغيرها.
كارثة إزهاق أرواح هؤلاء الفتيات مرعبة، ولابد من فتح تحقيق رسمي في الكارثة للوقوف على المتسبب الحقيقي وراء الحادثة، وإيقاف السير على الطريق لفترة إن تطلب الأمر ذلك، لحين الانتهاء من الإصلاحات فيه تمامًا من جانب وزارة النقل، وتزويده بإشارات المرور والإنارة اللازمة، وعمل دوران وأكثر على الطريق حتى يمكن الوصول بسرعة حال وجود أي حادثة، فالإصلاحات به والمتكررة على مدى أكثر من عام، والتي لا تنتهي، أدت إلى حوادث مرعبة، منها الفاجعة الأخيرة بمركز منوف.
كما أن هذه الإصلاحات أدت إلى تشغيل الطريق للاتجاهين في حارة واحدة في كثير من المناطق على الطريق الممتد، نظرًا لأعمال الصيانة والرصف، الأمر الذي ترتب عليه وقوع العديد من الحوادث البشعة بشكل يومي.
وهو ما دفع بأحد أعضاء مجلس النواب عن الباجور للتقدم بطلب إحاطة حول حوادث الإقليمي أو طريق الموت قبل هذا الحادث الأخير بـ 8 أشهر، وبالتحديد في شهر 10 من العام الماضي 2024، عن طريق النائب محمود البرعي.
غياب المسؤولين، وخصوصًا من وزارة النقل، عن الحضور خلال هذا الحادث الأليم كان مثار ألم واستنكار من الكثيرين، وهو ما عبّر عنه الإعلامي عمرو أديب بوضوح في حلقة برنامجه "الحكاية"، المذاع على قناة "إم بي سي مصر"، مساء الجمعة، بقوله: "حادث يستدعي تحقيقًا، وأن وزير النقل يروح هناك ويشوف إيه الموضوع. أنت عايز كام يموت؟ متى نتحرك عشان نشوف إيه اللي بيجرى؟».
وأضاف عمرو أديب: الناس هناك قالولنا كل يوم عندنا حوادث. فين الوزير؟ فين المسؤول عن الطريق؟ 19 ضحية! إيه الرقم ده؟ مؤلم ومزعج. لازم يكون في تحرك، إنما البيان اللي طالع: إيه 200 ألف جنيه لكل قتيل؟ تولع الفلوس.
وتابع عمرو أديب: فين بيان الدولة؟ هو إحنا ليه عندنا البني آدم رخيص كده؟ القرية دي النهاردة جايبين 19 تابوت عشان الناس اللي ماتوا، أنا مش مكبّر الموضوع، صغّره إنت. دول بنات كانوا بيروحوا يشتغلوا باليومية بـ 130 جنيه.. حياتها راحت على 130 جنيه يا جدعان".
وواصل أديب خلال تقديم برنامجه "الحكاية"، مساء الجمعة: "اللي حصل كارثة، وعلى فكرة دي مش أول حادثة ولا آخر حادثة، كوارث مصر على الطرق كارثية، ونزيف الدم على الأسفلت في مصر تاريخي"، وذلك في حلقة تلفزيونية تاريخية تأثر بها الجميع.
التحرك أيضًا جاء من بعض أعضاء مجلس النواب، بعدما تقدم النائب هاني خضر، عضو مجلس النواب، ببيان عاجل موجه إلى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والفريق كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء ووزير النقل، بشأن الحادث المأساوي الذي وقع على الطريق الإقليمي أمام مدخل قرية شما، وأسفر عن إزهاق أرواح 19 شخصًا وعدد من حالات الإصابة الخطرة.
النائب خضر أكد أن الحادث يدق ناقوس الخطر من جديد بشأن الكوارث المتكررة على هذا الطريق، خاصة في المسافة بين مركزي الباجور وأشمون، وهي "البؤرة اليومية للحوادث المروعة منذ أكثر من عام".
وأضاف النائب أن أعمال الصيانة الجارية منذ شهور طويلة لم تراعِ إجراءات السلامة، مع غياب الإشارات والتنظيم المروري، ما تسبب في تكرار المآسي وسقوط العشرات بين وفيات ومصابين، فيما طالب أهالي المنطقة الجهات المعنية بسرعة محاسبة المسؤولين عن الحادث، وتشديد الرقابة على الطرق الإقليمية التي تشهد حوادث مروعة بشكل متكرر، خاصة مع تزايد الحمولات الزائدة والسرعات الجنونية من بعض السائقين.
وأخيرًا.. كارثة الإقليمي في المنوفية ليست حادث تصادم مروع بين ميكروباص وسيارة نقل، ولكنها مأساة أدخلت الحزن والقهر والألم على بيوت عشرات الأسر، وكثيرون غيرهم يتحسبون وتنفطر قلوبهم لحوادث أخرى قد تكون أكثر ألما، طالما استمر السير على هذا الطريق دون اتخاذ إجراءات السلامة الحقيقية، وتوفير نقاط إسعاف متقاربة، والانتهاء من الإصلاحات والحفر، وتشغيل أعمدة إنارة في طريق طويل وسريع يرتاده مئات الآلاف من المواطنين يوميًا، وتوفير نقاط أو دوريات مرورية بداخله، وليس فقط عند البوابات، لمراقبة السرعة وضبط عملية السير والحركة على الطريق.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق