النرجسية ليست مجرد ثقة زائدة بالنفس كما يعتقد البعض، بل هي اضطراب عميق يجعل الإنسان يرى العالم يدور حوله فقط. النرجسي لا يحب، بل يسيطر. لا يستمع، بل يُملي. وربما يكون أخطر ما في النرجسية أنها كثيرًا ما تتخفّى خلف قناع "الحب" أو "الحرص"، خاصة داخل الأسرة، حيث يصبح الأب أو الأم نرجسيًّا، أو حتى الأبناء أنفسهم، فينهار التوازن العاطفي.
ما هي النرجسية؟
النرجسية نوع من اضطرابات الشخصية، يتصف بها الشخص الذي يرى نفسه مركز الكون، ويريد من الجميع أن يدوروا حوله.
لا يتحمل النقد، يطلب التقدير باستمرار، ولا يشعر بمشاعر من حوله. النرجسي قد يبدو محبًا أو حنونًا، لكنه في الحقيقة يبحث فقط عن من يمدحه، لا من يحبه.
نرجسية الأب: سلطة باسم الحب
عندما يكون الأب نرجسيًّا، لا يُربّي، بل يُخضِع. لا يُرشد، بل يُسكت.
يريد أن يكون هو الوحيد الذي يفهم، ويعتبر أي استقلال من أبنائه نوعًا من التمرّد.
أمثلة:
أب يسخر من أحلام أبنائه ويقلل من طموحاتهم قائلًا: "أنا اللي أعرف الصح، مش أنت."
يغضب حين ينجح ابنه في شيء لم ينجح فيه هو، ويقول: "مش شايف إنك عملت حاجة عظيمة يعني."
يرفض قرارات أولاده، حتى بعد بلوغهم، قائلًا: "طول ما أنا عايش، مفيش حاجة تحصل من غير إذني."
نتيجة ذلك؟ أبناء مرتبكون نفسيًّا، إما خانعين دائمًا، أو متمردين بشكل مدمر.
نرجسية الأم: تضحية ظاهرها حب وجوهرها امتلاك
النرجسية عند الأم أخطر لأنها غالبًا تكون مغطاة بـ"الحنان". الأم النرجسية تُشعر أبناءها بالذنب، وتُخضعهم باسم "أنا تعبت عشانك".
أمثلة:
إذا قرر ابنها أن يتزوج من فتاة لا توافق عليها، تقول: "بعد كل اللي عملته معاك، تخليني آخر من يعلم؟"
تقارنهم دائمًا بأقاربهم: "شوف بنت خالتك بتذاكر إزاي، وإنت حتى مش بتعرف تذاكر!"
تستخدم العطاء كوسيلة تحكّم: "أنا اللي لبستك وعلّمتك، يبقى لازم تسمع كلامي."
هذه التربية تخلق أبناءً خائفين، غير واثقين، أو متمردين بلا توازن.
نرجسية الأبناء: نتائج تُحصد
حين يكبر الأطفال في بيت نرجسي، إما أن يكتسبوا صفات مشابهة، أو يسقطوا ضحية عقد نفسية.
أمثلة على نرجسية الأبناء:
ابن يرى أن كل شيء يجب أن يُقدَّم له بدون تعب، ويقول لوالديه: "أنتوا جبتوني، يبقى تصرفولي!"
لا يتحمل النقد، ويقابل أي ملاحظة بـ "أنا كده، واللي مش عاجبه يمشي."
يرى الآخرين فقط كوسيلة: يصادقهم لمصلحة، ويتركهم بعدها.
النتائج المجتمعية الخطيرة
حين تنتشر النرجسية في البيوت، تنشأ أجيال لا تعرف إلا "الأنا".
أب لا يسمع.
أم لا تقبل أن يكبر أولادها بعيدًا عنها.
أبناء لا يفكرون إلا في أنفسهم.
فتضعف الروابط، وتضيع الرحمة، وتتحول الأسرة إلى ساحة حرب صامتة.
خلاصة
النرجسية ليست مجرد صفة سيئة، بل مرض اجتماعي يقتل الحب ويشوّه التربية.
ومع أنها قد تبدأ من أب أو أم بحسن نية، إلا أن نتائجها مدمّرة على المدى البعيد.
العلاج يبدأ بالوعي، ثم بالتصحيح، ثم بكسر دائرة "الحب المشروط"، ليعود البيت بيتًا، لا مسرحًا لعقد غير محسومة.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق